مع الأستاذ مصطفى سعيد ... حديث الموسيقى .. في السيرة و الفكر و العمل ..



كنت محظوظاً بلقاء الأستاذ الفنان مصطفى سعيد؛ كان الحديث لا يُملُّ. مقدار غزارة المعرفة، الثقافة المنوّعة، التبحر في الموسيقى و في المهارة المائزة على العود، و الغناء و الفكر الخاص، كل هذه كانت كفيلة بأن تجعل الوقت يمضي كحلم. مصطفى سعيد بالنسبة لي، واحد من قلة مُميزة في الموسيقى العربية، هم قلة في مهارات تجعلهم متعددي المهارات و المعارف  Polymaths، و انشغلاتهم الموسيقية والفكرية و انتاجهم كفيل ببعث الميّت حياً. أقتطف من حديثي معه هذه النخبة من الاسئلة، و أنا على يقين بأنها ستمتع القارئ و تفيده و تشعل الإلهام و الفكر، إن لم يكن أكثر، و إن كان لي ذلك، فحسبي أن أكون بذلك جذلاناً و سعيداً. لنخض غمار السيرة و نسلط الضوء على بعض الجنبات من مصطفى سعيد و نشاهد و نسمع شيئاً من شغله و فكره، و نحن على موعد معه في لقاءات صوتية معه على راديو - بودكاست - روضة البلابل.



من اليمين: بلال بيطار - فاضل التركي - مصطفى سعيد - الصورة لبلال
ف: خبرني عنك و عن العائلة ..

م: نحن ثلاثة أخوة، محمد ثم مروة ثم آتي أنا في الآخر.

ف: أنت الثمالة؟

م: ههه.

ف: لماذا اسم أخيك محمد عنتر و اسمك مصطفى سعيد؟

م: اسم و الدنا "سعيد محمد عنتر". أخي اختار أن ينتسب في اسمه إلى جدي وهو اسم مركب حيث اسم جدي "محمد عنتر". أما أنا فاسمي مكون من اسمي الأول و اسم أبي "سعيد".

ف: ما هي قصتكما مع الموسيقى؟ كيف اخترتما الطريق "الصحيح" إليها؟

م: محمد يكبرني بخمس سنوات و قد بدأ الموسيقى بطبيعة الحال، قبلي. كان لديه أستاذ محنّك اسمه "محمد حسن" و منه تعلم و شغف بالموسيقى. ثم بعدها، كنا كل صيف نذهب إلى طنطا و نحضر المولد و نسمع المشائخ و كان هناك من يُحفّظنا و نتعلم منه و في الأخير إكتشفنا أن ذلك- كان مثلاً- الشيخ محمد عمران الشهير. كنا أطفالاً ولم نكن نعرف الأشخاص بهالات الشهرة التي وعينا لها فيما بعد.

ف: كان الشيخ عمران يعلمكما فيمن يحضر؟

م:  في الحقيقة، في مولد السيد البدوي أو ما شابه، كانت تحدث عملية تعليمية و تثقيفية من غير أن تشعر بذلك. كان عمري حينها ثلاث سنوات و كان عمر أخي محمد عنتر حينها ثمان سنوات. لم نكن نعرف ما يحدث ولم نكن نعرف أن هذا مقرئ في الإذاعة أو لم يكن من اهتمامنا ربط الأشخاص بالقيمة المتداولة.

ف: بعيداً اللغط الإعلامي و ضجيج الشهرة الذي قد يلهي عن الفائدة المتحققة.

م: نعم. ثم إن أمي كانت أدخلتني حضانة عميان و كانت سنتي الأولى. كانت الحضانة وليدة و كانوا يأتون بخبراء من Royal National Institute of Blind People كل فترة. كنا نتعلم الموسيقى بتضاد شديد. من ناحية، كنا نتعلم على أسلوب المشائخ، و كنا نتعلم الموسيقى بالموشحات، و في الناحية الأخرى، كنا نتعلم بطريقة غربية و مختلفة في الحضانة. فبالإضافة لتعلم القراءة و الكتابة و الموضوعات والمهارات الاخرى، كنا نتعلم بيانو و كنا نتعلم الناي الإنجليزي English Recorder. و في كلا الاتجاهين، لم يكن هناك أي تهاون.

ف: نعم.

م: درسني في الحضانة أستاذ اسمه "أحمد ناصف" و بعدها درسني أستاذ آخر اسمه "سمير رسمي". سمير رسمي - تخيّل- كان أحد تلاميذ فاضل الشوا! و هو يعزف مثل فاضل و سامي. عرفت ذلك بعد وقت الحضانة و المدرسة بوقت بعيد.

ف: الدنيا صغيرة إذن! هل تعلمت معهما  بآلات أم بدون آلات وقتها؟

م: كنا نتعلم في الحضانة والمدرسة آلات تربوية مثل الناي الإنجليزي و الأوكورديون و كنا نتعلم باصواتنا. و جربت في صغري تعلم العزف على آلة الكمان.

ف: و متى مسكت آلة بجدية؟

م: سنة 1994 مسكت آلة العود. كان هناك من يتابع معي في الشأن الموسيقى؛ منهم الاستاذ سمير رسمي و الاستاذ محمود الفقي و مجموعة. أتذكر، كنت أستمع إلى برنامج في الراديو اسمه "أماكن لها تاريخ" و كانت مقدمته موسيقى من قطعة السوزناك يعزفها جميل بشير و خاتمته "يا طيرة طيري يا حمامة"، على عوده كذلك. كنت بدأت أسمع شيئاً جديداً. و كنت حينها سمعت كونشيرتو العود الذي كتبه عطية شرارة و عزفه الاستاذ حسين صابر. و كنت سمعت الاستاذ نصير شمة في الراديو، وقلت لماذا لا أجرب الالتحاق ببيت العود. دخلت بيت العود عام 2001 و تركته عام 2004 و كنت حينها مدرّساً فيه.

في هذا الوقت، التقيت ببعض الأساتذة الذين كانوا يأتون إلى مصر، منهم الاستاذ علي الإمام و الاستاذ محمد بتماز و والاستاذ ممدوح الجبالي و الاستاذ سعيد الشرايبي والاستاذ يوردال، و فرق مولوية تركية و الاستاذ عثمان كركليكجي الذي يعزف الشهرود وله الفضل في تعريفي على الشهرود.

ف: رائع.  طيب، كيف كانت المشائخ تُعلّم؟

م: لا يوجد درس لمدة نصف ساعة تاتي لتأخذه و يأتي من بعدك و يأخذ درسه. أنت تتعلم لأنك تريد أن تتعلم، لأنك شغفت بشئ و أحببته. ليس هناك حملة دعائية للدراسة هذه كما يحدث للمدارس والجامعات والمعاهد. هناك امرئٌ سمع فأعجب بأحدهم فأتخذ في الجامع العمود الذي بجواره و أخذ عنه. ذلك يقرأ و أنت تردد وراءه و ذلك ينشد و أنت تنشد معه. ليس هناك رغبة من أحد أن يُعلم و لا من أحد أن يتعلم.

ف: الآن هناك إعادة نظر في الدول المتقدمة في التعليم الذي انتجه العصر الصناعي و ما بعده فأصبح كالتعليب - بالباء نعم. هناك من رجع لما قبل الثورة الصناعية و هناك من يتبنى وسائل أكثر فعالية. التعليم "بالكميات" و "للحشود" ظهرت نقاط ضعفه و إحباطاته.

م: فعلاً.  أذكر أنني عملت ورشة عمل في اليابان مع أطفال صغار. اليابان متقدمة على أوروبا بمثل 100 عام! في اليابان يحاولون أن يتعلم أطفالهم مستغنين عن الأدوات الأولية. التعلم بالاعتماد على لا شئ  قد الإمكان!

ف: نعم. المقصود الاستغناء عن الحاجة غير الضرورية.

م:  نعم. و عَوداً على طريقة المشايخ. فإن التعلّم فيه شئ من المريد والمرشد في التعلم. عملية التعلم أكبر من أن تُقنن في محتوى محدد و طريقة محددة و أشياء معدودة. و التعلم شئ فرديّ  الطبيعة. لسنا ضد أي شيء جديد و نافع، و لكن وسيلة التعليم الجمعي، ما يشبه "التعليب"، لا تبهر نتائجه مثل ما تبهر عملية التعلم الذاتية أو مثال المريد والمرشد الذي ذكرته و جربته.

ف: ماذا عن الكتب والمناهج و النوتة و الدراسات و التنظيرات.. أين تقع من هذا؟

م: هل التنظير الغربي عكس واقع الموسيقى الغربية؟ الموسيقى شئ مسموع .. و تطبيقها سمع و أداء.

ف: هل هذه الوسائل بحدودها هي المشكلة؟

م: الحدود ليست في الكتب والنوتة والمناهج والتنظيرات و حسب. حتى التعليم تكتنفه حدود. المشكلات التي يواجهها متعلم  و ما يحتاج من معارف و نصائح و مادة و تمارين تختلف من شخص إلى أخر. هذا موضوع يحتاج إلى اهتمام التربويين والموسيقيين معاً. القدرات العضلية و ردود الفعل والخلفية الموسيقية و الثقافية تختلف، و التطور بين شخص و آخر مختلف. العبرة بالنتائج وليس بطقس تعليمي. العبرة بما يَعمَلُ و بتحقيق النتائج.

ف: ماذا عن الموهبة .. هل تؤمن بفكرة الموهبة؟

م: أظن أن ما يجب أن نهتم به هو "الرغبة" و "الإرادة" و الشغف و الإصرار و ليكن هذا فكرة بديلة عن "الموهبة".

ف: حسناً. ما هي دراستك الرسمية أستاذ مصطفى؟

م: درست أدباً إنجليزياً و لغويات في جامعة عين شمس  و تخرجت عام 2003.

ف: ماذا كنت تعمل خارج إطار الدراسة الرسمية و التخصص الآخر غير الموسيقى و في الصيف؟

م: كنت منشغلاً بالتمرين و التدريب و كنت أسمع الموسيقى كثيراً كثيراً - قدر المستطاع. أذكر أنني كنت أجلس حتى الثالثة صباحاً أسمع و أتفكر. في الصغر، كانت ما زالت البرامج الإذاعية تأتي بروائع و كنوز. و كان عندي شغف بالأسطوانات و التسجيلات القديمة.

ف: و غير هذا، كيف كنت تعمل في الصيف و في الإجازات؟

م:  طبعاً، كنا نذهب إلى طنطا كل صيف بلا شك. نحن أصلنا من طنطا وسكنّا القاهرة. و هذا لا يمنع أننا كنا نذهب نسمع الإبتهالات في السيد البدوي أو مكان آخر.  و قد اشتغلت منذ الصغر في الأفراح و الحفلات وهذا يضيف كثيراً ويصقل.

ف: هل الانسان يستيطع أن يعيش من الموسيقى؟

م: لا يمكن. هذه الأيام لا يمكن.

ف: حدثني عن القدوم إلى لبنان و مرحلة الخروج من مصر.

م: بعد أن أصبح الوضع خانقاً في مصر، لم يكن هناك شغل ولا دراسة يمكن مواصلتها،  قررت الخروج. لدي الكثير لأعمله في الموسيقى وليس بالإمكان عمله في مصر. كنت حينها تعرفت على الدكتور نداء أبو مراد. و اتفقنا حينها على أننا نحب نفس الموسيقى و أتيت أُدرّس الموسيقى في لبنان. له فضل كبير عليّ لا أنساه.
درست الماجستير وانتهيت منه و انطلقت إلى كل أرض فيها موسيقى أعشقها و أحببت أن أتعلمها من إيران و أذربيجان وتركيا و هكذا.

ف: تركت الدكتوراة. ما الذي يقنعك و يرجعك لدراسة الدكتوراة؟

م: آخر سنة و نصف في الماجستير، أثر علي الشغل والدراسة و التعليم سلبياً في التمرين و الموسيقى. قررت حينها أن أمنع ما يكدر أي شئ من هذا. و أستطيع أن أرجع إلى دراسة الدكتوراة إذا وجدت جوّا أكاديمياً حسب قناعاتي و يمكّنني من إنجاز ما لدي من فكرة أريد أن أشتغل عليها. الجامعات التي تناسب ما أريد عمله في الدكتوراة بما يقنعني و أؤمن به قليلة و خارج بلادنا و تحتاج مصاريف لا أملكها. لو توفرت و لم تؤثر على الموسيقى، فسوف يناسبني ذلك. قناعتي أن الوقت يمكن أن يُقتَطعَ من أي شئ إلا التمرين و الشغل الموسيقي.

ف: محمد عنتر كان يشتغل معك بنفس الطريقة؟

م: محمد كان مشغولاً كثيراً بالدراسة وكان سيتعين معيداً في الجامعة. و قد اهتم كثيراً بالموسيقى الغربية الكلاسيكية و سافر إلى تركيا و حضر للمولوية و اشتغل على آلات عدة. وقد اجتهد كثيراً في تعلم الناي و أبدع فيه و هو نشط و مُنجِز.

ف: ما هو سر تميزك في العود؟ هناك شخصية فريدة  ومكنة عالية.

م: أنا لا أرى نفسي مختلفاً عن الآخرين. أظن أن السبب، إذا كان هنا شئ يذكر، هو أنني أحببت تنويع الاهتمام و الاطلاع و لم أحدد لي أسلوباً أتبعه و أتبناه و أصررت على أن يبقى العود كشخصية "آلة العود" نفسها وليس شيئاً آخر. و عازف العود عندما يختار طريقة أو أسلوباً أو طعماً في العود، فعليه أن يكون "هو" لا أن يكون "غيره" و عليه أن يعزف و يؤدي بأقل ما يمكن من "عقد النقص".

ف: رأينا لك عزفاً من كل نوع، من الشرقي و التراث و  من ألحانك و حتى كونشيرتو الماندولين لفيفالدي. كنت متميزاً دائمًا.

م: أحاول أن أعزف العود بأقل ما يمكن من عقد النقص.

ف: ما حكايتك مع عزف الجاز؟

م: كنت أدرس بعض المواد في الجامعة الأمريكية في القاهرة و كان هناك، لحسن الحظ، استاذ اسمه "بيل ايفنهاوس" و قد علمني السلالم و الجاز و البلوز و الكونتري. كان يعلمني هذا و أعلمه العود. كان يعزف العود و الجبمانستيك.

ف: طيب، لماذا لا تظهر مهارات الجاز و هذه الموسيقى عندك و أنت تعزف الشرقي؟

م: أنا أعزف الجاز أو غيره في حفلة جاز و لكني لا أخلط ذلك في العزف الشرقي. و في رأيي، أن من يعرف الأشياء بعمق و جدية، لن تظهر في موسيقاه. لو كنت لا تعرف إلا القشور فسوف تظهر  القشور في ما تنتج. هكذا يحدث عندما نعرف الأمور بسطحية. و إضافة إلى ذلك فإن المعرفة العميقة بالمهارات و الأفكار و التمكن منها، تحمي من تلويث الأشياء ببعضها البعض هكذا.

ف: نعم. جميل. و عن تجربة كونشيرتو فيفالدي؟

م: تجربة أن يكون المرء هو، أحسستها جداً عندما عزفت كونشيرتو فيفالدي. لقد قدمتها حسب ما أراه  و أحببت أن أكون "نفسي"  بدل أن أكون مقولباً في قالب لا يمثلني. هناك كثير من الناس لا يعرف ما معنى أن يكون المرء "هو" لا "غيره". لقد كنت حراً و اخترت ما يجب أن يكون. كنت قد كتبت قطعة في بداية الكادنزا و تبعت النظام المقامي لا السلمي دون أن ألوّثَ الشرقي أو الغربي. و عندما أعزف الموسيقى الشرقية، لا تظهر فيها مهاراتي و معرفتي و نظريات الموسيقى الغربية. إنني أستخدمها في مكانها. أنا مكتفٍ منها و أستفيد منها  في مكانها فقط و ليس اكتفائي يكون في نقلها إلى الشرقية و تلويثها بغرض اثبات التجديد أو الاختراع.

ف: هل استفدت من الهارموني والكونترابوينت أو غيرهما في الموسيقى الشرقية؟

م: الهارموني، لا أظن. ولكن الكونترابوينت، نعم. لقد استفدت ربما، هو ربما مؤثر من تلك المعرفة، جعلتني أجرب في أًصيل أن أغير طبقات الآلات و أصنع تمايزا طبقياً و نجح بشكل جيد. ربما التأثير كان من ذلك الاطلاع. ربما نحتاج ناقداً يدرس ذلك ليرى الجدوى والنتائج.

ف: هل يستطيع مصطفى أن يعزف كما يعزف الأذربيجاني أو كما يعزف التركي؟

م: و لماذا أفعل  ذلك؟

ف: من باب فهم التمايز الثقافي الموسيقي، كتجربة و أنت مطلع و مجرب.

م: أستطيع أن أقول لك أنني أستطيع أن أعزف، مثلاً، سماعي محير جميل بك الطنبوري مع الأتراك بكل راحة و بدون أي معاناة.

ف: هل لو سجلنا لشخص عربي متمكن جداً، سماعي محير جميل الطنبوري و سلمناه لخبير تركي، هل يستطيع أن يميز بصمة غير تركية في العزف التركي، في عزف ذلك المتمكن العربي؟

م: أكيد، سوف يشعر باللهجة حتى لو كانت هناك محاولة لإخفائها. وهذا ليس بعيب بالمناسبة.

ف: طبعاً، هو ميزة مطلوبة. هل هناك إمكانية للتمكن مثل العازف التركي أو الأذربيجاني أو الهندي؟

م: ربما. هذا حاله حال اللغات والتمكن منها لمن يتعلم اللغة ويحاول أن يعبر بنفس مِكنة صاحب اللغة الأم. لكن ذلك ليس مهماً. المهم هو القدرة على التفاهم مع العازف من بلد آخر. المهم أن النظام الموسيقي واحد ويتفاهم فيه العازفون معاً، لأنهم ينتمون لنفس النظام.

ف: حدثني عن مشاريعك التي تشتغل عليها في مؤسسة التوثيق والبحث.

م: بعد مشروع المنيلاوي و عبدالحي حلمي و إصدار الموسيقى في بلاد الشام   و خمسينية سامي الشوا و أخيراً إصدار خمسينية محمد القصبجي، ها نحن نشتغل على مشروع سلامة حجازي في ذكرى مئويته. و نواصل العمل على إصدارات بودكاست - إذاعة روضة البلابل في أقسامه الأربعة : من التاريخ، سمع،  دروب النغم و نظامنا الموسيقي.


مصطفى سعيد في مؤسسة التوثيق والبحث

و نحن نتشغل على توثيق يومي لك التسجيلات التي لدينا و نفرز معلوماتها التوثيقية و نستكشفها و نتوصل إلى حقائق و ملاحظات و نتائج و هذا مع الوثائق والمخطوطات والعقود والكاتولوجات والمنشورات التي تصل و التواريخ و  التي تعني التسجيلات والأخبار التي كانت متزامنة. نتناول التسجيلات بظروفها و طريقة انتاجها و المحافظة عليها و إصلاحها و تنقيتها و تصنيفها. و يصل ذلك في نتاج المؤسسة و في روضة البلابل بما يناسب المتابع و المستمع و المهتم.

ف: حدثني عن مشاريعك الموسيقية و التسجيلات والحفلات في عامنا هذا.

م:  حفلات و ألبوم توحد و و ألبوم البردة  و كانت عندي  حفلات كالعادة و ورش العمل قدمتها و أقدمها و  عندي كتابة موسيقى و تلحين.

ف: أنت تتبنى فكرة التطوير من الداخل. هل لك أن تشير إلى ذلك كفكرة و تجربة شخصية؟

م: في مئة سنة منذ اليوم، هناك مصدر واحد متناول للتطوير، هو الاستيراد. و من النادر جداً أن نرى من يطور من المعطيات التي تتوافر لدينا. أقول من النادر و ليس منعدماً. لنأخذ مثالاً و نرى كيف يُنظر إليه: "مضناك جفاه مرقده" لعبدالوهاب. نرى الناس تنبهر بالأوبوا التي استخدمت في العمل و كيف "استطاع" عبدالوهاب إدخال الأوبوا في العمل و أصبحت تعزف "حجاز". بالنسبة لي، اللافت عندي في هذا العمل هو استغلال اللحن الصوفي القديم في مطلع الأغنية و بنيانه على هذا الثيم و تطويره لقالب الموشح الحلبي .. و هو قالب فيه خانة و دور و خانة  و هو عمل خانتين و و رجع للدور. التطوير الذي حدث في مضناك من المعطيات المتوفرة عندنا أهم بكثير عندي من فكرة استخدام الأوبوا التي لقيت الاهتمام! تخيل انه قدم هذا العمل و بهذا التطوير مع الناي،  هل سيكون أكثر قرباً و مناسبةً للعمل؟ مثلاً؟

كل حرّ فيما يرى من تطوير، و لكن ليس لنا أن نتهجم على الموسيقى العربية و يأتي من ينظر و يقول أنه سيستورد و ينهض بالموسيقى العربية!

ثم هناك مشكلة أختيار ذوق واحد من الموسيقى و فرضه بالسلطة و القوة الإعلامية بحيث يصبح الانتاج من هذا الصنف هو الوحيد المفروض والمسموح و المروج له. القاعدة العريضة من المستمعين لا وقت لديها و لا إمكانية للتفتيش عن الموسيقى الجيدة. هي تبحث عن ما هو في المتناول مما يبدو لها جيداً.

ف: نعم.

م: يعني، الموسيقى الشعبية، و الكلاسيكية ، و الأروبية و القديمة و الجديدة كلها تقدم بلون واحد هو الأوركسترا ذات هذه النكهة الوحيدة. كل الألوان تخرج بصوت و احد. وليس هناك فرصة لتظهر الأعمال بنكهات مختلفة و إمكانيات و هكذا. أصبح الناس مشغولة بشتم بعضها و التناحر.

حتى لو رغبت الناس في موسيقى ذات لون  مختلف، لا يمكن لهم ذلك. عندما طالب الناس بعودة صالح عبدالحي للإذاعة، أطلق عليه البعض اسم "حمار الإذاعة" ! هذه مناسبة طلب فيها الناس سماع لون مختلف فقط. هذا بالإضافة إلى الاستخفاف بالموسيقى في أكثر من مناسبة في الأفلام التي ظهرت و وصمها بالتخلف و الرجعية. هي لم تكن حينها قديمة. الغريب في الموضوع أن الموسيقى التي جاء بها عبده الحامولي و محمد عثمان كانت في عصر الخديوي اسماعيل و هي في سبعينيات القرن التاسع عشر و مابعدها. أما الموسيقى التي تنسخ و يستورد منها فهي موسيقى باخ و موزات و من قبلهما، فما الموسيقى القديمة بين الاثنتين؟

ثم، أن أطور من معطياتي التي عندي أقدم،  أم أن أطور من الموسيقى الأوربية هو الأقدم؟

ثم حتى لو أتينا لمن يقلد البيتلز أو الروك اليوم، لا ترى ذلك شيئاً أصلياً، تراه نسخة بليدة؟

ف: شغل كولاج و سرقة و قص و لصق و اللجوء للانتاج السهل والكسول.

م: كل ما أقوله هو وجهة نظر. لكن لا يأتي لي أحد و يشتغل بالقص واللصق و الكولاج و ينظر و يقول أنه ينقذ الموسيقى العربية من "وحل التخلف".

ف: و مشكلة التجارة و تحكم السلطة في خيارات الانتاج الموسيقي.

م: أما عن التجاري،  فضروري أن يكون هناك موسيقى تجارية و موسيقى فصحى و موسيقى شعبية. و هذا ليس بعيب، ولكن أن تتماها السلطة مع التجاري و تجعل لوناً واحداً هو الطاغي و تحول كل أنواع الموسيقى لذلك النوع و تعزف بنفس اللون فهذا خَطِر. و حتى حالة أن يكون نفس الصوت يقدم كل أنواع الموسيقى، هذا خطِر.

ف: و هذا يجبر الموسيقي المشغل أن ينتج نوعاً واحداً من الموسيقى لكي يعشي أو يبقى.

م: نعم. و يبقى اختيار أن ينشغل الموسيقي بالموسيقى الاستهلاكية أو غيرها من الأنواع الأخرى أمراً شخصياً ولكن لا يمنع الآخرين من العمل والإنتاج.

و أقول لك، الموسيقي المتصالح مع نفسه و ما ينتج خير عندي من الذي يشتغلون بنفاق و رؤية غير واضحة و يشتغل بالتخريب.

ف: ماذا عن انتقاد فكرة اجترار الماضي .. و العيش عالة عليه. كيف المهرب من ذلك و كيف "النجاة به"؟

م: اجترار الماضي سلفية. هناك أيضاً نوستالجيا لعبده الحمولي و نوستالجيا لفلان و فلانة. هذا و ذلك هو اعتراف بالهزيمة. هذا اعتراف بالأمة المهزومة. و كنت جئت في العشرينات، هل سأقدم ما قدمه سيد درويش و عبد الوهاب؟ هل تؤثر علي ظروف الأمة المهزومة؟ ظاهرة المغلوب مولع بتقليد الغلب مر عليها الآن مئة سنة. هل نتعلم من ذلك درساً؟ هل نتعلم و نستوعب الأسباب و ما أنتجنا و نتعلم كيف نعمل و نشتغل و ننتج؟

ف: ماذا تقترح كحل؟

م: الحل هو أن نسمع كل شئ. نضع أكثر من خط للتطوير  و نرى ما سينجح. آلية التطوير يجب أن لا تكون حكراً على أحد.

ف: نمكن الجميع و نترك الأمر إلى طبيعته.

م: نعم.

ف: فكرة الاطلاع على أنواع من الموسيقى العرقية فيه هذا العالم الواسع .. كيف نرتب هذا الأمر و كيف يؤثر علينا سلباً و إيجاباً؟ هل تنصح بطريقة فعالة؟

م: أولا أرفض مصطلح الموسيقى العرقية. لا أرى أن هناك ما يمكن تسميته موسيقى عرقية. بالنسبة لي، كلها موسيقى. موسيقى الناس.

ف: أقولها بشكل آخر. هناك أنواع من الموسيقى و لهجات ولغات.

م: نعم، و هناك أنظمة من الموسيقى و من الأفضل الاطلاع على أكبر عدد ممكن و نستوعبه. نسمعه بتجرد عن الاستعلاء عليه أو تحقيره أو نظرة دونية للذات من منظورها.

ف: ضروري الاطلاع؟

م: أي موسيقي، يجب أن يعمل ما يستطيع لكي يطلع و يسمع و يعي.

ف: هل يؤثر ذلك سلبياً على الموسيقي أو الانتاج؟

م: بالنسبة لي لا يؤثر ذلك سلبياً عليّ و ربما لا ينطبق ذلك على غيري بالضرورة.

ف: هل هناك طريقة فعالة؟ بالنظام، بالجوار الجغرافي.

م: بأي طريقة يفضلها الموسيقي والباحث و ما يمكن أن يصل إلى يديه.

ف: هناك من يشعر أن لا جديد يمكن انتاجه و نحن نرى لك جديدًا دائما أنت و فرقة أصيل و لدى  الأصدقاء الرائعين الذين رفعوا رأس الموسيقى العربية اليوم .. الواثقون المجددون و الآملون؟ كيف نجحتم في ذلك؟

م: الجديد ممكن والجديد وارد ما دام الحياة مستمرة.

ف: كيف نجحتم في ذلك؟

م: لا أعرف إن كنت نجحت أو فشلت. هذا يحكم عليه غيري و غير المجموعات التي تعمل محل النقاش.

ف: هل تعد الأيام بمزيد من الإنجازات؟

م: نحن سنعمل ما بقينا و نحاول أن نقدم شيئاً.

ف: روضة البلابل، برنامج مميزة جلب الفائدة والمتعة و جلب النوادر و نقاشات و مادة موسيقية جادة للمستمعين والمهتمين. كيف جاءت فكرته؟ حدثنا عن هذا المشروع و أي مشاريع موازية له تعتزمونها.

م: نحاول نقدم الموسيقى لكل المستعين بشكل جيد و غير سياحي و غير نخبوي. والحكم للمستمع والمستفيد. و حتى لو كان هناك من لا يتقبل هذه الأفكار والإتجاهات، ستكون مادة يستفيد و يرجع لها من يريد. مهمة التوثيق و الانتاج أن هناك من جرب أن يعمل شيئا  و من حاول أن يوثق.

ف: حدثني عن عادات الاستماع والتحليل والسمع الموسيقي؟ هل من نصيحة و عدوى للقراء؟

م: استماع الموسيقى و نحن مشغولون بالأكل أو بشغل آخر هذا ليس بشئ. و أنا لا أزدري ذلك و ليس بخطأ، ولكنه ليس استماع ذو فائدة.

هناك استماع معه تفكير و تأمل و تلذذ، يأتي بنتائج مختلفة.

ف: هل هناك عادات استماع؟

م: اجمالاً عندي طقسان في الاستماع. طقس الاستماع و التفكير و التحليل و و التذوق و النقد و التجلي مع التسجيلات .. و طقس استماع مع التدريب أتأمل في التفاصيل و أستخرج منه الفوائد و ألاحظ الانسجام و التكنيك والفنيات و المكساج والتفاعل و التنويع. أستفيد منه ايجابا وسلباً، ما يفيدني و ما يجب أن اتفاداه.




صور و تسجيلات


مع العم ألبير منصور صانع الأعواد


العم ألبير يصيخ السمع إلى مصطفى سعيد

مع العود



ارتجالات على العود



في مقطوعة أوروبية تعود للقرون الوسطى و بأسلوب عربي



مصطفى سعيد و رياض عبدالله في سماعي محير جميل الطنبوري


مصطفى سعيد في كونشيرتو ماندولين فيفالدي

 


مصطفى سعيد في لحن الحشاشين وعلى الكمان الاستاذ أحمد الصالحي

 
مصطفى سعيد في رباعية للزهاوي

من ألبوم توحد الصادر قريباً

السماعي الدارج من الحجاز و موشح ما احتيالي مع أحمد الصالحي و بلال بيطار

مع مجموعة أصيل

 
في وصلة سيكا مع أحمد الصالحي و بلال بيطار

 
في بشرف الهمايون مع الصالحي و بلال و علي الحوت




ف: الحديث من مصطفى سعيد لن ينتهي، إنما هي ومضات نستشف فيها عوالم الموسيقى الشرقية الحية و محاولة للإلهام و نشر الفائدة و الدعوة للعمل و الاشتغال الجاد. كونوا قريبين من الجديد.

::. فاضل التركي



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضبط | دوزان | تسوية | تعديل آلة الكمان العربي .. في تحرير الآلة من حدود الشائع

محاورة مع فرقة مقام أكسفورد .. و تجربة التسجيل على الأسطوانة الشمعية!