التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مع الاستاذ الفنان عبدالباسط .. حديث عن الموسيقى و العزف و التعليم و الإنجازات

الاستاذ عبدالباسط بكار، فنان شاب نشط، عازف بارع على الكمان و يعزف العود؛ مؤلف و ملحن، علّم و خرج الكثير من الشبان في العزف والغناء، و أسس و قاد مجموعة من الفرق و التخوت، له مشاركات عديدة و إنجازات، وهو يواصل العمل و الانتاج  و يحاول أن يقدم الأعمال المختلفة والجديدة و المقامات النادرة و و الوصلات و القطع و الذوق الرفيع قدر المستطاع. 




دعونا نتحاور و نلج إلى عالم الاستاذ الفنان عبدالباسط بكار.

ف: سعيد بالحوار معك الاستاذ عبدالباسط.

ع: بكل سرور. يسعدني.

ف: خبرنا عن النشأة و عن الولع الأول بالموسيقى، أستاذ عبدالباسط.

ع: عام 1962، ولدت في بلدة ريفية، هي "تادف" وهي لا تبعد كثيراً عن حلب. لقد كانت بلدة خضراء ذات سهول و خضرة دائمة. كان والدي أخذ يصطحبني إلى البساتين الخضراء حين بلغت التاسعة. لقد كانت تضجُّ بالأهازيج و أغاني العمال في الحقول و الأغاني الشعبية.

لا أنسى بداية الحكاية. لقد كانت مع الراعي - كان في الخمسين مع عمره-  الذي كان يمرّ بالساقية كل يوم مع أغنامه. كان يحمل معه نايه. كان يعزف تارة، ويغني تارة. كان يغني الموال و العتابا و الميجانا والسويحلي. حين اسأله عن اسمه كان يقول لي: "الراعي الحزين". لم يكن له أسم آخر.

ف: كنت تلتقيه و تتحدث معه؟

ع: كنت ألتقيه بين حين و آخر و ربما جلسنا لأتفاجأ بمغيب الشمس. كان الوقت يمرّ معه سريعاً. كان يأتينا في فترة فصل الربيع، لكنه يختفي مع نهاية موسم الحصاد و يظهر في الربيع التالي. كنت أنتظر عودته بفارغ الصبر. 

ف: نعم. ها قد ولِعتَ و تعلقت بالموسيقى.

ع: نعم. حين أعود من البساتين، أتحلّق مع الأسرة حول الراديو الخشبي القديم. لم يكن منزلنا إلا بقية من البساتين. لقد كان منزلاً كبيراً مكتنفاً بالأشجار و في جنباته أحواض الورود الحولية. لقد كنا نسهر  في ضوء القمر وكل شئ كان يجتذبنا  نحو الإبداع.

ف: يا سلام. هل كانت هناك روافد أخرى للموسيقى في الطفولة؟

ع: نعم. لقد كنت أحضر مع والدي حلقات الذِكر في الزوايا و نستمع إلى القصائد الصوفية ليالي الجمعة و قبيل إقامة الصلوات. كنت أحياناً أحضر و أسمع تجويق الموتى و كان يُؤدى بأسلوب من الوعظِ و الخوف والرّهبة. 

ف: حدثنا عن الزوايا و حلقات الذِكر استاذ.

ع: من الزوايا التي كنت أحضر حينها، كانت زاوية عجان. فيها، كنا نستمع إلى تلاوة القرآن والأناشيد والموشحات. كنا نستمع إلى الحضرة و القصيدة  والصاوي تليها النوبة. 


ف: هل من الممكن أن تعطينا فكرة عن الحضرة و القصيدة والصاوي والنوبة؟


ع: كان بعد كل صلاة، يتلى القرآن و تأتي قصائد المديح النبوية. ثم تقف الناس مع تراتيل "الله الله " و تخفت الأنوار و يلي ذلك التعلق بالذات الألهية. 

ف: و الزوايا الأخرى والتكيات؟

ع: نعم. لقد مرت على المنطقة بعدها مواسم جفاف منذ الستينات و قد دعا ذلك والدي إلى الانتقال إلى مدينة حلب. لقد كان ذلك الرحيل عن بلدتي و أهلي و الراعي الذي اعتدت على أهازيجه و عزفه و موسيقاه، مؤلماً. لقد آلمني جداً فراق ما ألِفتُ و أصبحت لا أنفك أشتاق و أحنّ إلى ما تركت ورائي.

ف: هل بقيت على ذلك مدة طويلة؟

ع: الرحيل غيّر كل شيء في حياتي. لكن، من محاسن الصدف،  كنت أستقل بعد فترة، سيارة أجرة، وكان سائق الأجرة ذا مظهر أنيق. لقد تحدث معي بلباقة ولطف. لقد استشعر حزني و سألني ما بي. لم أتردد. لقد أخبرته بشغفي بالموسيقى و رغبتي في تعلمها. أذكر أنه قال لي: أتعرفني؟ قلت له: لا. قال لي تأمل وجهي جيداً. سأعلمك العزف على آلة العود. لم أكن لأصدق. غمرتني فرحة عظيمة و في نفس الوقت، قلت في نفسي. كيف سيعلمني العود، سائق أجرة؟ سألته عن اسمه، فردّ: عبدالرحيم اللبناني!  

ف: هكذا كانت البداية إذن.

ع: نعم، كما ذكرت، كنت أذهب مع والدي رحمه الله إلى الحقول،  و تعلمُ أثر حياة الريف و الهواء الطلق و صوت المياه و العصافير و الشجر و ما إلى ذلك من سحر الطبيعة. و كنت أذهب برفقة والدي إلى الزوايا الدينية، و هناك كان يتلى القرآن و الأناشيد و ما إلى ذلك. كان الأمر كذلك حتى كان الوقت ما بين 1974-1975. حين انتقلنا إلى حلب و كانت حكاية تعلم العود.

ف: كيف كان قرار تعلمك الموسيقى مع الدراسة و العائلة؟

ع: لقد عانيت الكثير. لقد كان والدي من عائلة محافظة وكان يزجرني بحكم أنه يرى أن الموسيقى حرام، و كان المحيط متشدداً. هكذا، عقدتُ النية على التعلم سراً.

ف: و ربما ذلك يزيدك هياماً و إيماناً بالموسيقى.

ع: حقيقةً، هذا دفعني لأن أكون متفوقاً وفي نفس الوقت، كنت أخذت على نفسي مع الدي  عهداً أن الموسيقى التي أتعلمها و أشتغل بها لن تكون ذات علاقة بالخلاعة و الرخص.

و في ذات الوقت، أصبحت أرتاد المسجد في أيام الجمعة. كنا نصلي و نبقى حتى يحين موعد صلاة العصر. بين الصلاتين، يرتل القرآن و يكون تعليم التجويد و صفات مخارج الحروف و نتعلم الأناشيد و الموشحات.

لقد تعلمت من الاستاذ عبدالرحيم اللبناني دروساً في العود لستة أشهر. لا أنسى فضله أبداً. عرفني الاستاذ عبدالرحيم على عازف العود الكبير الاستاذ محي الدين أحمد.

 لقد كنت ألتقي في المسجد بالفنان محي الدين أحمد قبل أن أتعرف إليه. عندما عرفني عليه الاستاذ عبدالرحيم، تفاجأت أنه كان عازف عود مميّز و لم أعرف عنه طيلة المدة السابقة. 

إذن، كان يحضر في المسجد من الوشاحين أساتذة من مثل الاستاذ محيي الدين أحمد، قبل أن أعرف حكايته مع العود، و محمد المدني و صبري مدلل و غيرهم الكثير. كان ذلك في جامع و مدرسة الكلتيوية و جامع الكريمية في أيام رمضان.

قوِيَت العلاقة مع الاستاذ محي الدين أحمد و تواصلت في إذاعة حلب سنة 1978 و كنا نلتقي على الدوام. ثم أصبحت هناك علاقات مع الاستاذ أبو بكري رقناوي و هو بكري قيطاز الاستاذ صاحب الصوت و القصائد الرائعة. تلا ذلك تعرفي على الأستاذ نديم الدرويش عليه الرحمة و تعلمت منه الكثير.

ف: أها، جميل. 

ع: أشار بعدها عليّ الاستاذ عبدالرحيم اللبناني بتعلم الكمان. لقد قال لي، لقد أصبحنا الآن أخوة و أصدقاء، فلم لا نتعلم الكمان معاً؟ لقد ذكرني ذلك فوراً بالراعي الحزين و نايه الذي لم تفارقني صورته يومًاً. بدأت في تلقي بعض الدروس من الاستاذين ميشيل عوض و جام بتراكي و أصبحت أهتم بالاستماع للاستاذ توفيق الصباغ والحفناوي و واصلت دراسة العود والكمان معاً.

ف:إذن، حكاية الراعي الحزين، بقيت شرارة الولع التي لن تنطفي.

ع: فعلاً. فبعد أن درست آلة العود، و أشار علي الاستاذ عبدالرحيم اللبناني بتعلم الكمان، أصبحت أحنُّ من جديد إلى صوت الناي للراعي الحزين.و لقد تعلمت بحب مع أستاذي عبد الرحيم و بقينا نلتقي و عملنا معاً حتى العام 2011. و أنا ما زلت على علاقة مع الاستاذ و نتواصل و أكنّ له الاحترام والتقدير و أستشيره دوماً ولا أنسى فضله عليّ.

ف: نعم.جميل. هل كانت الدراسة مع هؤلاء الأساتذة فقط؟

ع: لقد مررت بعدة مراحل و تعلمت على أستاتذة عديدين.كنت كلما تعلمت عند أستاذ، و أخبرني أنه لم يبق شئ يعلمني إياه و أصبح لا ينقصني إلا التمرين والتدريب، أنتقل إلى أستاذ آخر و أتعلم منه علماً جديداً.

ف: هل اكتفيت بالأساتذة فقط أم استعنت بالكتب و وسائل أخرى؟

ع: لم أكتف بالتعلم من الاساتذة فقط. كنت مثلاً آتي بكتب مثل كتب باغانيني و أحولها بخط يدي إلى شرقية و مناسبة لدوزان آلي شرقي و هوهمان و ولفهارت و أتمرن. كنت أقضي تلك الآيام من ثمان إلى اثني عشرة ساعة في اليوم الواحد أتمرن و أتدرب.

ف:كيف كان التعليم حينها؟

ع: في زماننا، لم يكن هناك معهد عالٍ و لا حتى متوسط. كان كل شئ أشبه بالدروس الخصوصية.


ف: حدثنا عن دخولك المجال الفني و العمل الموسيقي.

ع: كان انتسابي لنقابة الفنانين في سنة 1989. وا شتغلت مع الاستاذ صبري مدلل حتى وفاته بين العامين 1993 و 2002.  و شاركنا في مهرجانات عربية و دولية معه. و من الطرائف التي لا أنساها معه، حفله في الكويت، إذ كان في البرنامج له نصف ساعة يغني فيها و يأتي بعده الاستاذ محمود فارس و ربيع الشهير و علي عنجريني و أحمد أدبر. في تلك الليلة، سلطن الاستاذ صبري مدلل و واصل الغناء و لم يترك فرصة للفرقة والمجموعة لتقديم فقراتها!

أذكر أننا في عام 1994، أسسنا فرقة أورنينا. كنت في الفرقة مع الاستاذ محمد قدري دلال و قدمنا مهرجانات عربية و دولية كثيرة، مثلاً، في عام 2005، الحفل الذي قدمناه في دار الثقافات العالمية و معهد العالم العربي في فرنسا، والحفل في المهرجان الصوفي في الهند و آخر حفل قدمناه في المغرب مع الاستاذ صباح فخري عام 2010. 

في 1995، شاركت مع  فرقة سلاطين الطرب و قد أسسناها و كان معي الاستاذ يوسف الحاج، المنتج، رحمه الله. 

سنة 1997، أسست و الاستاذ أحمد الأجاتي فرقة أسميناها "تجمع فرقة التراث للغناء والموسيقى" و الفرقة لا تزال قائمة. اشتغل في الفرقة مجموعة من خيرة الفنانين مثل الاستاذ عبود بشير و عامر عجمي و حسام لبناني و أيمن حداد و محمد بركات و محمد يوسف و شهد برمدا.

و من ضمن ما  اشتغلت فيه بين عام 1998 و 2000، كان ورشة عمل على آلة العود، مع الاستاذ خالد محمد علي و التقيت بالاستاذ منير بشير.

عملت و قتها أيضاً رئيساً لفرقة الاستاذ شادي جميل و استمر ذلك لعامين. 

في هذه الفترة، التقيت مجموعة من الفنانين  و عملت في ورش عمل و علّمت و استفد من تعاملي مع أساتذة منهم الاستاذ عبده داغر و  الاستاذ عطية شرارة، في القاهرة، و الاستاذ نصير شمة في تونس و التقيت الدكتور جورج روفايل في لبنان و كان معه شاعر "هذه ليلتي" الاستاذ جورج جرداق.

ف: رائع يا استاذ. 

ع: في عام 2000،  دعاني الاستاذ والفنان نوري اسكندر لأن أشتغل في التدريس في المعهد العربي في حلب و قد اتجهت للتدرس منذ ذلك الحين حتى 2012. في المعهد، درّست آلة العود و اشتغلت على تدريب فرقة كورال المعهد لمدة سبع سنوات و كنت شغلت رئيس قسم الآلات الشرقية لخمس سنوات. و قد أسست من الكورال رباعي "معهد صباح فخري" كما أسميته.

أما في سنة 2002، فقد انتُخِبتُ عضواً في مؤتمر نقابة الفنانين و شغلت منصب رئيس فرقة و أصبحت مدرباً  لكورال فرع نقابة الفنانين بحلب و استمر ذلك خمس سنوات. كانت الفرقة تقدم كثيراً من الأعمال في المناسبات و الأعياد الوطنية و قدمت الفرقة عملها الأخير في حفل تكريم الاستاذ صبري مدلل. 

ف: ماذا كان الانتاج مع الفرق و الكورال؟

ع: لقد قدمنا الكثير من الأمسيات و الحفلات الموسيقية و الغنائية في أغلب المحافظات و وضعت اهتماماً بالمناطق الريفية. كان مدير المعهد وقتها الاستاذ محمد قدري دلال و لقد كان أباً أخاً و صديقاً  لكل تلاميذ المعهد. قدمنا حفلات أخرى مثل حفل المركز الثقافي العربي و حفل دمشق عند ما كان الاستاذ أحمد محسن مديراً للمعهد العربي في حلب و قدمنا حفلاً في دار الأسد للثقافة عام 2011  لرباعي معهد صباح فخري بالتنسيق مع مدير المعاهد الموسيقية في سوريا الاستاذ جوان قره جولي و قدم الرباعي أيضاً حفلا في مهرجان دولي في باريس.

ف: نشاط كثير يا أستاذ عبدالباط. حدثني عن كل هذا النشاط  والجهد و عامل الوقت و المادة.

ع: غالب الوقت، أقضيه في الموسيقى و أبذل جهداً كبيراً غير مأسوف عليه ما دمت أشتغل على تحقيق طموحي و تطلعاتي. ليس هناك مردود مالي، و نحن نعمل كهواة، لا كمحترفين. بالنسبة لي، الموسيقى هي الماضي الحاضر والمستقبل. هي الحب التسامح و الاحترام الثقة بالنفس و قوة الإرادة. هكذا، نستطيع التغاضي عن الصعوبات و تجاوز العقبات و أظن أني قدمت شيئاً للموسقى.


ف: أنت استاذ، مررت على مجموعة من الاساتذة و اطلعت على كثير من طرقهم باختلاف مشاربهم وخبراتهم. 

ع : مما لا شك فيه، لقد وجدت كل عند كل استاذ مررت به خبرات و طرق و أساليب مع الآلة. لكن كل ذلك يصب في مصلحة تعلمي للآلة. مثلاً، أستاذ يتبع فكرة ما في الصعود في مواضع العزف، و أستاذ أخر يفضل طريقة أخرى، أكون استفدت من الاثنين. 


ف: ما هو المنهج الجيد في تعليم الموسيقى؟ هل هناك مناهج في العالم العربي والشرق؟


ع : ليس هناك منهج كامل حتى اللحظة. لكن، كمنهج مكتوب، هناك منهج شربل روحانا الذي جمع تمارين جيدة لآلة العود و أنا أستفيد منه في تعليم طلابي. أما بالنسبة للكمان الشرقي فإني أحول منهج باغانيني و هوهمان و ولفهارت إلى التعديل الشرقي و الذوق الشرقي وأستفيد منها و لا منهج شرقي حتى اليوم متفق عليه أو يشار له. 


ف: هل يغني الاستاذ عن المنهج المكتوب أو المنهج المقدم بوسائل أخرى، أم ما هو تصورك لمنهج فعال؟

ع: يجب أن يكون هناك منهاج مكتوب بطريقة حديثة و حبذا لو كانت معه شروحات و ليس بطريقة تقليدية كلاسيكية قديمة و يكون ملحقاً بتسجيلات مفيدة. و يجب على الاستاذ أن يكون قبل كل شئ مطلعاً على المناهج الجيدة من الصولفيج و المناهج المتعددة للعود والصولفيج وله خبرة عملية. هو بذلك يفرغ ما تعلمه من المناهج بشكل منهجي و علمي. و ليس هناك من غنى عن الاستاذ. هناك أشياء غير مفهومة أو المقاصد لا تصل إلا بأستاذ خبير. و كل استاذ يعرف المدرسة التي ينتمي لها و له خبراته و فهمه الذي يوصله لطلابه و تلاميذه.

ف: من خلال خبراتك واطلاعك و هذه السنوات، كيف ترى أنجع الطرق في التعليم و التدريب. هل لك أن تخبرنا عن اسلوبك في التعلم على الآلات والغناء؟


ع:و أفضل أن تكون البداية بتعليم A.B.C الأول والثاني  في الصولفيج و يلي ذلك تعليم منهج بونا P. Bona  و يليها النوتة الموسيقية ثم يلي ذلك التمكن الجيد من الموسيقى الشرقية. بذلك أرى الطريق سالكاً و ناجعاً للطلاب. 


ف: ما هو اسلوبك في التعامل مع الطلاب في تكليفهم و مراقبة تطورهم؟

ع : عندما أعطي أي مقام لأي طالب، فإني لا أعطيه المقام كسلم. المقام فيه سير لحن. أنا أعطيه مقطوعة مبنية على قواعد فنية دقيقة و تحقق هذا المقام و أشرح له في كل مازورة، كيف يحدث التنقل ولم توقف المؤلف على درجة النوى أو الجهاركا أو الحسيني. ماذا يريد أن يقول لنا المؤلف هنا. 

ف: كيف نحفظ الهوية و كيف تربي ذلك في الطلاب؟ الموازنة بين التمسك بالمحليّ و سعة الاطلاع؟

ع: على الإنسان أن يحفظ تاريخه. المتعلم يجب أن يحفظ و يعيش و يعزف و يغني تراثه ويبدأ منه ويحافظ عليه ويدور حوله. أما الباحث، فعليه أن يكون مطلعاً على أكثر ما يمكن من موسيقى الشعوب المختلفة. ثم إن هناك تلاقح و تبادل بين الشعوب. الحجازكار لم يكن موجوداً في مصر. لقد جلب إلى مصر من العثمانيين ولكنه تم تمصيره. 

ف : كيف تنصح الطلاب بتناول الأعمال الجديدة عليهم، أو كيف يكون التعامل حتى التمكن و تقديمها للجمهور؟

ع : مثلاً، لو كان بين يدي نوتة لعمل جديد عليّ أو على الطالب. ربما أمرّ عليها بالعزف لأتذوقها في البدء. ثم أفكر، على أي مقام هي. لم ألفت، هل هي وجدانية، مزاجية، هل هي للشوق أم للأنين أم للجلالة أم العظمة و هكذا و أدرس القطعة مازورة مازورة و أنطلق و أِشرحها لطلابي و لنفسي و أتمكن منها و بالتدريج حتى تكتمل شكلاً و مضموناً و تقدم مسجلة أو حية للجمهور. و أذا كان هناك تسجيل فسيكون محل اهتمامي. و إذا لم يكن هناك تستجيل فسيعتمد على فهمي للمقطوعة  وتصوري.


ف: ماذا عنك أنت، كيف تتمرن؟ أعطنا فكرة عن وقت التمرين والمدة و مادة التمرين؟ 

ع: التمرين لا يقل على ثلاث ساعات. و هناك فرق بين التمرين و بين التحضير لمعزوفة كبشرف أو سماعي أرضي بها الجمهور. التمرين فيه تكنيك و فنيات و شئ آخر غير تمرين التحضير للقطع. 

ف: خبرنا عن تلاميذك و من علّمتََ و دربتَ. أين هم اليوم؟

ع: الطلاب لا يبقون طلاباً. المدرسة تأتيها عناصر تتجدد موسماً بعد موسم و عاماً بعد عام. التلاميذ يتعلمون و ينضجون و يذهبون كل في عالمه و شغله. و تبقى بعض الاستثناءات، ففي التلاميذ من بقي يعمل في الفرقة حتى الآن.


ف: ألا تشعر بافتقاد التلاميذ بعد أن تعطيهم من روحك و جهدك، ثم يذهبون في السبل؟

ع: سعادتي الكبرى حين أرى من دربته واشتغلت عليه و تعبت، أصبح علماً أو مشهوراً أو صنع له اسماً في عالم الغناء و الموسيقى. الحزن الكبير يكون حين تغرس غرسة ثم لا تثمر.


ف: اذكر لنا بعضاً من تلاميذك في الغناء و في الآلات.

ع: هناك من احترف الغناء مثل شهد برمدا و حازم شريف و تسنيم سواس و  محمد طيفور.  منهم من لم يحترف مثل زين التنجي و دينا الجمل و بيان قطماوي و هديل الأجاتي. و أعمل الآن على شاب مهم و لنتذكره جيداً، هو كامل نور. له مستقبل باهر و مشرق في الغناء والموسيقى العربية. و هناك أصوات قيد النضج في الغناء و في العزف من أمثاله. 

الاستاذ كامل نور

أذكر لك من تلاميذي في آلة العود: أسامة بدوي  و أيهم العبدالله و سومر علك و آلاء شوا و ميلاد جرجي و دينا أنقر. دينا أنقر عملت استاذة في المعهد الذي تخرجت منه لمدة ثلاث سنوات. و لقد علّمتُ شقيقي مروان بكار و حتى ابن شقيقتي علي بكار.

و من تلاميذي في آلة الكمان الشرقي: محمد الأجاتي و يوسف الأجاتي و خليل جرو و دينا الجمل و ابني بلال.

في الإيقاع، فيهم أسماء شوا التي تعزف الطبلة و هي في فرقة كورال المعهد العربي و عمرها أحد عشر عاماً.

ف:هنيئا لك بهم و لهم بك. ماذا عن انتاجك الموسيقي مع الفرق و على المستوى الفردي؟

ع: بالنسبة لتجمع التراث، فقد سجلنا سبعة ألبومات كلها سماعيات و بشارف و لونغات. ضمت تلك القائمة مؤلفين منهم محمد القصبجي و رياض السنباطي و سامي الشوا و جميل بشير و منير بشير و محمد قدري دلال و اسكندر نانو.

أما على المستوى الفردي، فقد ألفت في مجال القوالب الآلية مجموعة منها بشرف عجم كردي و هو أول بشرف في الموسيقى العربية على هذا المقام، و هناك مقطوعة في مقام الشوق أفزا، وهو مقام مهمل في العالم العربي كعمل محقق لشروط المقام و سماعي رست أسميته أوراق و حنين و سماعي صبا أسميته حكاية أمي و هو عن ما يجري على الوطن الحبيب. و لدي سماعي أوج أهديته لصديقي الاستاذ محمد علي بحري و هو بعنوان "اثنان يا بحري" و قد فَقَدَ زوجته وابنته في الحرب، و هو أول سماعي عربي يحقق الوحدة المقامية و طبيعة مقام الأوج في مثل هذا القالب. و لدي مقطوعة غروب و رحيل و أحب أثنين و نسيم الصباح. 

ف: رائع. و القوالب الغنائية؟

ع: لدي في القوالب الغنائية: القائد الفارس و غناها الكورال و هي مصورة و "دامت أفراحك يا وطني" سجلت بصوت عمر علبي. و لدي "يامة أنا راجع" للأم بصوت حمادي فؤاد و لديّ للحبيب "لا تزيديني" و سجلت بصوت عبود بشير كبروفة.

غير ذلك، دونت مجموعة من الأعمال الموسيقية في مجال القوالب الآلية لكثير من الملحنين والمؤلفين و على مقامات مختلفة و نادرة في ما يزيد على ستين مقاماً.

ف: كيف ترى انجازك استاذ عبدالباسط؟

ع: ما أنا إلا طالب علم. الطريق طويل، و أنا في بدايته و أراني أزداد علماً و مهارة كل يوم يمر عليّ. إنني أرجو من الله تعالى أن يوفقني لأداء رسالتي بكل أمانة ما دام في العمر بقية حتى آخر رمق.

ف: ما هي رسالتك و ماذا تنوي أن تقدم أكثر؟

ع: علينا أن نحافظ على تراثنا العريق والأصيل و من لم يكن له ماضٍٍ فلا حاضر له ولا مستقبل. أطمح في أن أستقر بمعهداً أقدم فيه رؤيتي و خبراتي و ما تعلمته في الثلاثة والأربعة عقود خوفاً على هذا التراث أن يندثر و أن أساعد في توصيل ما لديّ من فهم و خبرة للأجيال و لنواصل المسيرة. حلمي أن يجمعني الله بصديقي الاستاذ محمد علي بحري و أعمل معه جاهداً في تحقيق ذلك. لا نريد أن نتاجر و لا أن نساهم في و ندخل في مجال الفن الهابط. نريد أن نقدم فيه أعمالاً تضاهي الأعمال الشرقية والغربية في المستوى و يشجع على تأسيس جيل ذي تراث عريق و يصل ذلك بمستقبله ويقدم جديده.

ف: العمر طويل يا أستاذنا و  كل جديد منك سيكون أعظم و أكبر مما قدمت. حدثنا عن الفن كوظيفة.

ع: بالنسبة لي، اتخذت الفن هواية و عشقاً و خيالاً و وجداناً. احتراف الفن ليس من مصلحتي وليس من مصلحة الفن. و لقد تابعت تحصيلي العلمي و تخرجت عما قريب من جامعة دمشق في كلية الإعلام. عندما تكون الهواية ربح و خسارة، فهي هي قتل للفن. عندما يكون همي عدد التذاكر و هل "رسملت" و كم ربحت، أصبحت أتاجر بالفن. 


ف: ما حكاية الفصول التي تشتغل عليها و المجموعة؟

ع : نشتغل على تقديم أعمال مختلفة و مميزة و فيها الجديد و الرفيع من التراث. قدمنا أمسية موسيقية بعنوان "المقامات النادرة". لقد قدمنا مؤخراً فصلاً في مقام العجم كردي و كان فيه بشرف و خمس موشحات هي: ساقي الراح و أي سحر و يا ليل طل و قول لي يا جميل و قم بنا للحان .و قدمنا فيها تقاسيم على القانون وسماعي للمعلم اسماعيل حقي.

نحن نحاول أن نسجل فصولاً كاملة موثقة و هذا أول فصل قدمناه من الفصول التي أشتغل عليها مع  الاستاذ محمد علي بحري و هناك فصول قادمة سنقدمها قريباً.


ف: الشكر لك الاستاذ و الفنان عبدالباسط بكار على هذا الحوار و أترك القراء مع هذه مجموعة من الصور والتسجيلات.


تقاسيم على الكمان للاستاذ عبدالباسط بكار 2002


نسيم الصباح



خانة و تسليم في سماعي الأوج - اثنان يا بحري


بشرف سيكاه - يوسف باشا 



القلب مال للجمال



اجمعوا بالقرب شملي



الطفل صالح غزال من تلاميذ الاستاذ في سيرتو سلطاني يكاه سعدي اشلاي
::. فاضل التركي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضبط | دوزان | تسوية | تعديل آلة الكمان العربي .. في تحرير الآلة من حدود الشائع

إلى استاذي العزيز، أحمد الصالحي.
 الحديث عن دخول آلة الكمان الغربية، عالم الشرق، من الهند إلى فارس و تركيا والعالم العربي إلى حدود المغرب، قد تنسب إلى شخص أو قصة أو تربط بالربابة و الكمان من سلالتها، أو الربابة من حيث بدّل العازفون ربابتهم بالكمان الأكثر تطوراً و لو قيل أن عازفوها الأوائل كانوا يعزفونها كالربابة صوتاً و وضعاً. هذا حديث آخر. لنأخذ ظلاً من هذا.
آلة الكمان الغربية في الشرق، تشبه أهلها، لها صوتهم و أنغامهم و تأوّهاتهم و حلياتهم و زخارفهم، هي جزء منهم و ربما تصدرت آلاتهم التقليدية في قربها منهم و ظهر ذلك في تفضيلها و شيوعها. و لنأخذ ظلاً من هذا.
ما الأسباب جعلتها منسجمة كل هذا الإنسجام، قريبة إلى القلوب، تنافسُ حتى الآلات التقليدية السابقة عليها؛ التي نشأت في الشرق؟ أظن أن الأسباب تأتي من  مدى الإمكانيات و كثرة المتغيرات و مرونتها و إمكانية تبديل هذه المتغيرات مع بعضها البعض و جمعها و تفريقها و تبديل درجات ظهورها و ضمورها. مثال على تلك المتغيرات، في اليد اليمنى، و أعني اليد التي تمسك بالقوس. تقنيات القوس قد تصل إلى ٤٠٠ تقنية و منها العزف بكعب القوس و وسطه ورأسه و بكل الق…

محاورة مع فرقة مقام أكسفورد .. و تجربة التسجيل على الأسطوانة الشمعية!

هل تصدقون، أن طارق بشير و أحمد الصالحي و يارا صلاح الدين و مارتن ستوكس من فرقةمقام أوكسفورد، سجلوا غناء و عزفاً على أسطوانات شمعية؟ سجلوا على أجهزة فترة الـ ١٩٠٠م؛ كيف أمكنهم ذلك وما أهمية حكاية كهذه؟
في هذا الحوار، سنتكلم عن تجربة أصدقائنا الموسيقيين، و فائدة هذه التجربة للمجتمع الموسيقي و للمهتمين والسميعة لهذا العيار من الموسيقى و هذا النوع من وسائط  التسجيل وبالتحديد ما يسمى بالأسطوانة الشمعية  أو السيلندر أو أسطوانات أديسون نسبة لمخترعها أو ما يسمى بالكباية في مصر أو "أم قلاص" في الكويت.




ف: تجربة التسجيل على كباية فضلاً عن الأسطوانة القديمة شيء لا يمكن أن يخطر على بالنا اليوم. لقد تجاوزنا هذه التقنية بأكثر من مائة عام. لم يكن من السهل أن نتصور أن هذا أمر ممكن وفي متناول اليد. ما أصل هذه الحكاية؟
ط: بطبعي، كنت أستكشف في الإنترت و التسجيلات القديمة العربية والأجنبية، و رأيت رجلاً بجوار بوق و يتكلم، و عندما شاهدته و استمعت إليه، و كان ذا لهجة انجليزية، و تتبعت الأمر و رأيت أن هناك تجارب سابقة للتسجيل على الكباية و أمام البوق، فما كان مني إلا أن تواصلت معه و كلي حماس للتجربة.
ف…

التحميلة .. قالب موسيقي عربي مُغرقٌ في الأصالة ينضحُ بالابتكار

تحدثت قبل مدة عن قالب التحميلة و رسمت له جدولاً مبسطاً و ربطت أجزاء الجدول بمثال من تسجيل واحد، بحيث يتابع القارئ مع الجدول، فقرة التسجيل، و يحسن الاستماع و تذوق المقطوعة الموسيقية التي يطلق عليها أسم "تحميلة".
لكني هذه المرة، بودي أن اتطرق لها بشكل آخر. سنرى على المائدة مجموعة من الأشكال الضرورية لتبسيط فهمنا لقالب التحميلة و استيعابه، ومن ثم، تذوق التسجيلات المتوفرة و رؤية الأجزاء بكل وضوح و تثمين جهود العازفين و فهم المعاني التي نسمتع إليها منهم بشكل أفضل و معرفة النواقص والأخطاء التي رأيناها ترتكب في تقديم هذا القالب المدهش، وفي نفس الوقت، نبحث عن أرقى ما قدم من تسجيلات.
هذه هي الأشكال التي نتوقع أن نلقاها حين نستمتع إلى قالب التحميلة:

قالب التحميلة، من القوالب المدهشة التي يعزفها اليوم ثلة قليلة من الموسيقيين العرب و يفهمه ثلة أقل منهم. هذا القالب أكثر تعقيداً من قوالب مثل السماعي والموشح و الطقوقة، و يتطلب من العازف خبرة بالموسيقى الشرقية، معرفية و عملية، و تمكناً من آلته و من مهارات التطريب والإرتجال و الابتكار في نفس الوقت.
لا نريد أن نسمع المقطوعة الموسيقية، هكذا لماماً…