في حضرة الكبير رياض عِبدِالله .. حكاية عصاميّ .. في السيرة و الموسيقى والفن والهوية ..

رياض عِبدِالله، بكسر العين والدال و تخفيف اللام، هو عملة صعبة و ظاهرة موسيقية ملفتة، و لو لم نحظَ إلا ببضعِ تسجيلاتٍ له أبهرنا فيها جميعاً بمستوىً عالٍ من التمكن من الآلة و المقامات الشرقية و الإرتجال و التقاسيم والتعبير الموسيقي الموغل في التقاليد و الإبداع و بالإحساس و بنسخة رفيعة من سامي الشوا!




لقد كنا أسعد حظاً حين كانت مشاركته في ذكرى خمسينية سامي الشوا و رأينا تسجيلاتٍ أكثر له في المؤتمر و تسجيلاته في مناسباتٍ أخرى مع الأساتذة مصطفى سعيد و أحمد الصالحي و كمال قصار.  و في زمن قلّ فيه أمثاله و تبدلت الأحوال و طعم الفن والموسيقى و طمرت فيه الهويات و تمازجت و اختلطت الأمور و ضاعت و تدنى لدى العموم الثقة بالنفس و تلاشت عرى ارتباط الأجيال على المستوى الثقافي و الذوقي و على مستوى الأولويات، يصبح على قدر كبير من الأهمية أن يكون معه لقاء نناقش فيه الأمور الضرورية مروراً بسيرته وخبرته و نقترب منه أكثر لنرى قصة نجاحه و أثره و جديده و نتعلم و نستلهم منه.

الكبير سامي الشوا يزدان في النياشين

::. أجرى الحوار: فاضل التركي


::. الاستاذ رياض عبدالله في مؤتمر خمسينية سامي الشوا في لبنان - من تسجيلات الاستاذ كمال قصار


ف: مرحباً استاذنا رياض عِبدِالله ..


ر: مرحبا بك يا فاضل


ف: حدثنا عنك و بداياتك ..  بداياتك مع الموسيقى ..


ر: أنا ولدت في القيروان، و كان والدي تاجرُ آلات فلاحية و كان من جملة ما كان يبيعه، القصبُ أو المزاميرُ التي يشتريها الرعاة و يعزفون عليها. كانت نايات مزخرفة و كان ذلك في حدود سنة ١٩٥٥ و حينها كنت في عمر الخمس أو الست سنوات. كنت أحضر في الدكان و خصوصاً في السوق الأسبوعي، حيث كان الرعاة  يأتون يُجرّبونَ الناياتِ قبل شرائها و قد يستغرق ذلك من المشتري شئ من عشرين دقيقة. كنت أتفرّج دون أن أفهم الحكاية. لقد راق لي ما رأيت و أخذت لي ناياً من الناياتِ و رحت أجرب في البيت حتى اهتديت وتعلمت النفخ.


و أذكر أنني في السنة الأولى في الثانوية، أحببت المشاركة في المدرسة بالعزف و تحدثت مع أستاذ الموسيقى، فسمعني و أعجب بعزفي و طلب مني أن أحضر معهم كل جمعة مع فرقة الشبيبة المدرسية. انسجمت مع الفرقة الموسيقية. كانت هذه هي البذرة الأولى.




رياض عبدالله، يعزف الناي صغيراً

كنت أعزف مع الفرقة، وعندما يخرج الموسيقيون لعشر دقائق للاستراحة، كنت أبقى في القاعة. كنت أنتهز الفرصة و أعبث في العود. كنت مغرماً به. كنت أدندن ولكن من غير نتيجة ذات قيمة. كانت تعجبني نغماته و أوتاره الطرية. بعدها، اهتديت و فهمت الأوتار و الأبعاد والسلم الموسيقي و لم أكن حينها أملك عوداً.


ف: نعم.


ر: بعد سنتين، أعجبتني الكمنجة. أولعت بها سنة ١٩٦٧ فاشتريت كماناً بقيمة ٨ دينارات تونسية في ذلك الوقت. و في سنة ١٩٧١، طلب مني رئيس فرقةٍ كان يشتغل معي في الأعراس، أن أشتغل معه في فرقته في القيروان فوافقت.


ثم ها هو يمسك بالكمان

و بين ١٩٧١ و ١٩٧٦، كانت هناك مسابقات في المالوف التونسي و كنا نخرج مع الفرقة في حافلة إلى قرية صغيرة في شمال تونس أسمها "تستور"، يستقر فيها الأندلسيون و كان المهرجان منظم من قبل وزارة الثقافة آنذاك، و تشارك فيه جميع المحافظات. كانت الفرق تعلن قبل شهر أو شهرين عن النوبة التي ستقدمها ليحصل التنظيم و الترتيب والاستعداد بشكل جيد. كل ليلة كانت مخصصة لفرقة أو اثنتين. و كانت النوبة في مقام واحد مثل مقام رست الذيل أو مقام الإصبعين.


ف: نعم.


ر: كانت المسابقة على مستويين: على مستوى الفرقة، وعلى مستوى العزف الفردي بحيث تقدم كل فرقة عازفاً من بين عازفيها، يقدم ارتجالاً في المالوف التونسي على آلة فردية كالكمان و القانون و الناي. كنت لا أشارك في مسابقة من هذه إلا و أرجع بالجائزة الأولى في الارتجال! و قد تفوز الفرقة بالمركز السادس ولكني أكون أخذت الجائزة الأولى في العزف الفردي.


ف: الله!


ر: و لفتُّ أنظار المسؤولين بحيث كانوا يقولون: هذا، كل عام يأتي،  يأخذ الجائزة الأولى! كنت في عام ١٩٧٢ و ١٩٧٣ تخرجت من معهد الرياضة برتبة أستاذ تربية بدنية. و في سنة ١٩٧٥، ناداني الاستاذ صالح المهدي في حفل  و قدمني إلى وفد من العراق يقدم المقام البغدادي و قال: هذا يمثل المقامات التونسية على أصلها و هو بارع في العزف و قد منحناه الجائزة الأولى، و قد دعيت حينها للالتحاق بفرقة الأذاعة التونسية و ليلتها لم يأتني النوم!

الاستاذ صالح المهدي


في ذلك العام، قال لي صالح المهدي، أنه سيتم إلحاقي بالإذاعة و سأنتقل من وزارة الشباب و الرياضة إلى وزارة الإعلام و نحن في حاجة إلى شباب عازفين من أمثالك.


ف: جميل!


ر: التحقت بالإذاعة و التقيت عازفين مهرة من مثل رضا القلعي وعافين آخرين وانتقلت من القيروان إلى تونس.


في عام ١٩٧٧، زارنا سيد مكاوي في تونس. واللهِ هي أجمل ذكرى في حياتي! كان عمري حينها ٢٧ عاماً. و كان اُشتُرِطَ عليه أن يأتي وحيداً و تعزِفُ معه فرقة الإذاعة، و قد كان وافق بشرط أن يسمع العازفين الذين سيرافقونه فرداً فرداً. و حين جاء دوري، قدمت له تقسيماً، راق له جداً، و حين انتهيت، قال لي: أعد يا شيخ! فالتفتَ له رئيس مصلحة الموسيقى آن ذاك وهو الاستاذ عبدالحميد بلعجية و قال له:  هذا أصغر العازفين سناً في الفرقة! فكان رد سيد مكاوي أنني لا بد أن أصاحبهُ في حفلاتهِ؛ فاشتغلت معه أربع حفلات في ذلك الوقت في مسرح قرطاج في تونس. اشتغلت بعدها مع كارم محمود و وديع الصافي و غيرهم الكثير من الشرق.

في الفترة بين ١٩٧٥ و ١٩٨٠ كانت من أجمل أيام حياتي، حيث كان الاحتكاك في الإذاعة بموسيقيين كبار و ملحنين و كان هناك الكثير من الشغل والمنافسة والحماس.


ف: نسمع و نشاهد بعض المشاركات في هذا العهد إذن.


الشيخ سيد مكاوي في تونس سنة 77 و رياض عبدالله في عازفي الكمان



من حفل سيد مكاوي في صورة قريبة، الأول الظاهر من اليسار


ف: رجوعاً إلى زمن الناي، كيف كنت تتعلم، من علمك الناي؟


ر: في ذلك الوقت، لم يكن هناك تعليم موسيقي ولا أساتذة عندنا في القيروان. كان حفظ الأغاني و السماعيات من المذياع. لم يكن هناك تلفزيون و لا مسجلات و لا أي شي. كله اجتهاد خاص!


ف: يعني أنك كنت تسمع و تقلّد ..


ر: والسلام ! و معظم ما حفظته من قطع و أغانٍ، كان وسط الفرقة الموسيقية المتواضعة التي لم تتجاوز خمسة أنفار. و لكن، عندما كنت أعزف كانوا ينبهرون. كانوا يقولون لي لمساتك جميلة!


ف: رائع! ما هو الاسلوب الذي كنت تنتهجه بحيث كنت تدهش و تبهر من حولك؟


ر: كنت عصامياً متعصباً. لم يكن يعلمني أحد. ولكن، أذكر أن كان هناك حلاقٌ فنانٌ يعزف العود في في حدود السنة ١٩٦٦ و ١٩٦٧، اسمه مختار الشواشي. تعرفت إليه و كنا نجتمع في جلسات. و في الجلسات الخاصة، كان يشير عليّ بأن أرفع الكمنجة قليلاً أو أسوّي القوس. كان عمري وقتها في حدود ١٧ سنة. و كنت أذهب إلى دكان الحلاق و آخذ العود و أعزف عليه براحتي، ما أسمع من أغانٍ لأم كلثوم و عبد الوهاب و غيرها، أسمع و أعيد و أعيد و أقسّم و أعزف العود و الكمان و الناي. هذا الفنان أصبح صديقي حتى توفي رحمه الله.  


ف: قبل فترة الحلاق هذه، كيف عرفت شيئاً اسمه السُّلم الموسيقيّ أو غير ذلك من المصطلحات الموسيقية؟


ر: يا فاضل، كنت أعزف الناي في ذلك الوقت و أعرف الدرجات عليه. كنت أسأل عازف العود، هذا الوتر ما اسمه، ثم يقول "دو أو ري أو صول" و هكذا؛ خبرة تطبيقية يسوقها الاحتكاك والسؤال.


ف: نعم، ذكرت أستاذ رياض فترة الاحتكاك و فترة النضج في وقت الالتحاق بالإذاعة، حدثنا عنها.


ر: والله يا فاضل، كانت الحقبة الأولى من سنة ١٩٦٧ الى ١٩٧٥ هي الفترة العصامية و فترة البحث عن الذات و كانت فترة المجهود الشخصي من الاستماع والإعادة و التمرين و لو أنها كانت مع فرق متواضعة. و لكني كنت مغرماً جداً. والغرام والتوق في كل ميدان هو أساس التقدم فيه. ثم جاءت فترة الجوائز، و بعدها فترة الالتحاق بالإذاعة. كانت فترة الإذاعة غنية جداً و كنا نعمل منذ الصباح حتى الساعة الثانية ظهراً - على غير عادة وقت  عمل الزملاء المصريين بالمناسبة من الثانية ظهراً حتى المساء، و هي ربما أفضل من طريقتنا في تونس. كنا نخرج ظهراً من عملنا فيتلقفني سماسرة الفن و يحجزونني لحفلات و شغل موسيقي و يقدمون لي عربوناً. كانت فترة نشاط وجهد كثير واحتكاك.


ف: نعم. مع من احتككت حينها أستاذ رياض؟


ر: و إلتقيت تلك الفترة الفنان أحمد القلعي، شقيق الفنان رضا القلعي، و كان بارعاً جداً جداً و البراعة أنه أحدث توجهاً جديداً في عزف العود. عزف العود في مصر وانبهر به المصريون، و كان يستخدم اسلوب الريشة المقلوبة بتميز عالٍ. كان ملحناً، و لم تلق ألحانه اهتماماً للأسف. عندما كنت أشتغل معه، كنت أخجل أن أعزف أمامه العود لأنه رجل عظيم جداً و متواضع. كنت أستاء من خطأ الدوزان عند بعض العازفين و أكلمهم في الأمر، أما هو فكان يتحاشى و يتغاضى عن ذلك و كان رجلاً شديد المجاملة. لقد احتككت به هو و أخيه رضا القلعي فترة طويلة وتعلمت منهم الكثير.


 رضا القلعي و رياض عبدالله

الاستاذ احمد القلعي في تقسيم بياتي

الاستاذ رضا القلعي في جربة
ف: نعم.


ر: لا ننسى أيضاً أستاذاً كبيراً و ملحناً يتقن النوتة الموسيقية الصولفاج اسمه محمد التريكي. لقد تعلمنا عليه بطريقة غير مباشرة، الكثير. كان عازف كمنجة. تعلمنا عليه الجمل الموسيقية و الانتقالات. هو من مواليد مطلع القرن و قد كان في الخطة أن نعيد تسجيل أعماله. كان عمري حينها ٢٧ عاماً و هو عمره ٨٠ عاماً. و كان يحضر في إعادة أغانية و كانت معنا المطربة نعمة ذات الصوت الرقيق.


ف: نعود للفترة الأولى، هل كان هناك ذكر لخميس الترنان مرّ عليك حينها؟


ر: والله يا فاضل، أنت وضعت اصبعك على أمر مهم. خميس الترنان هو من أصل أندلسي و يقطن مدينة اسمها بنزرت في شمال تونس على شمال تونس وهي مستعمرة فرنسية ظلت كذلك حتى آخر خروج للاستعمار. توفي عام ١٩٦٤. كنا منتبهين لخميس الترنان و هو كان رائد المدرسة الرشيدية و قد أسسها الرشيد باي في الدولة الحسينية التي ارتبطت بالحكم العثماني. كان خميس الترنان من الاساتذة الذين علموا المالوف  و احتفظوا بالتراث التونسي و وضع عدة ألحان تونسية الأصل محترمة جداً مُطربةً، تشمل موشحات أندلسية. و كان مختصاً في العود التونسي ذي الأربعة أوتار، وكان أستاذاً لصالح المهدي و غيره.

الاستاذ خميس الترنان
ف: والبارون درلانجيه، هل كان له ذكر؟


ر: لم يكن لنا اهتمام بالبارون درلانجيه وشغله بقدر ما كان يهمنا الشغل والتعلم والاحتكاك و الانجاز العملي.


ف: هل سمعت عن سامي الشوا و فاضل الشوا وهما زارا تونس و كان لهما أثر عملي ونظري؟


ر: ما كنت أعرف أسماء سامي و فاضل الشوا و غيرهما في فترة القيروان بسبب ضعف الاتصالات هناك - الإعلام - حينها. ما عرفت الأسماء إلا بعد الانتقال الى تونس. فاضل الشوا كان في تونس سنة ١٩٥٦ و كان رئيس قسم الموسيقى في الإذاعة. و استدعى أيضاً صالح المهدي الاستاذ فهمي عوض عازف القانون لتلقين المجموعة  الصوتية في الإذاعة الموشحات. و جلب كذلك عازف الكمان عطية شرارة للاعتناء الموسيقيين آن ذاك و أتم لهم أصول العزف.


ف: طيب، في الفترة الأولى، فترة المسابقات والجوائز، أنت لم تحتك بعد بالاساتذة في الإذاعة ولا بكثير من الموسيقيين، كيف كنت تخطف الجوائز في الارتجال؟ كيف كنت تتعلمه و تتقنه و تتفوق؟


ر: التقاسيم والارتجال هو تعبير. كنت شغوفاً بالتقاسيم. كنت أسمع من التراث التونسي و أتشربه و أرتجل و أعبر عن نفسي و ذاتي. و كذلك، كنت أسمع مواويل عبدالوهاب و كلها دراسات رائعة، و كنت أسمع صالح عبدالحي وعبدالحي حلمي و كثير. تكونت عندي خبرة و دراية و عرفت كيف أقدم ما في نفسي في شكل تقاسيم مسبوكة جيداً.


ف: حدثنا عن رضا القلعي.


ر: تعرفت على رضا القلعي سنة ١٩٧٢، حين رجع من سفرته لباريس و كان غادر تونس إليها منذ سنة ١٩٦٦. كان رجلاً بسيطاً جداً و متواضعاً. أذكر أنه عرف بي مرة في مجلس لبعض محبيه حيث أخذني معه و كانت نواة لشهرتي بسببه. كانت عنده قطعة جميلة وشهيرة اسمها جربة على اسم جزيرة في شرق تونس، رائعة. في تلك الجلسة، كان هناك موسيقيون، و قال لهم سأقدم لكم اليوم مفاجئة، هذه الليلة أقدم لكم "رضا جنيور"، أي خليفتي! و التفت إليّ، وقال، أودّ الآن أن تعزِفَ لي جربة مثلما عزفتها أنا عام ١٩٥٠!


ف: يا عيني!


ر: هو ذكي جداً، و كان أيضاً عنده قطعة اسمها جرجيس و يجب أن ننتبه لشئ. كان رضا القلعي مختص في شئ و أنا والحمد لله تعلمته منه، هو التجسيم. عندما يعزف لك جملة موسيقية يجسم لك المشهد. عندما تسمع جرجيس، فإنك تتصور النخل و الرمل والصحراء التونسية، و هي اسم مدينة في تونس إنتاجها التمور والدقلة و هلم جراً. مثلما تسمع الشيخ مصطفى اسماعيل عندما يصور لك آيات مثل :" وجاء ربك و الملك صفاً صفاً .."، تراه يجسم لك المشهد بشكل رهيب.


رضا القلعي في جرجيس


ف: نعم.


ر: عزفت لهم في تلك الجلسة، جربة، و نالت إعجابهم و التفت إليّ عازف الناي حينها و قال لي: أريدك أن تشتغل معي في الأفراح؛ بعدها جاءت فترة انتقالي إلى الإذاعة كما ذكرت لك. و كنت أستضيف رضا القلعي عندي في القيروان بعدها؛ كان محبوباً، و الناس يصيحون بمجرد أن يمس الكمنجة. كان لا يطلب المال و يتعفف عنه ولا يفكر فيه.


ف: لقد ازددت شهرة على شهرتك إذن.


ر: هناك جانب آخر . كنت شغوفاً بالآلات جداً. كنت اسمى في القيروان ببرويتة آلات - أي عربة آلات - لأني كنت أعزف آلات كثيرة منها ما ذكرت لك و القانون. يعني، ما صعبت عليّ آلة. ولكن بعد شهرتي الأخرى بسبب رضا القلعي، أصبح اسمي مرتبطاً بالكمان. أصبح اسمي رياض عِبدِالله، "عازف كمان من النخبة" و نُسي اسمي في بقية الآلات و أصبحت أعزف هذه الآلات عند الأصدقاء المقربين.


ف: شوقتنا لسماع رياض عبدالله في آلات أخرى غير الكمان.


ر: ربما أسمعكم بعض التسجيلات.


ف:طيب، أستاذ، حدثنا عن التمرين، ماذا و كيف كان يتمرن رياض عبدالله؟


ر: أنا أسمع الموسيقى التونسية و لكني أسمع الموسيقى الشرقية كذلك. أنا مولع بكل ما هو قديم، يعني، من أم كلثوم إلى صالح عبدالحي إلى أسماء كبيرة كثيرة من أحمد عبدالقادر إلى محي الدين بنعيون إلى صابر الصفح و زكريا أحمد، كل اسم من هذه الأسماء، مدرسة للتعلم. تكويني كان من المدرسة القديمة مروراً بسامي الشوا.


ف: كيف كنت تسمعهم؟ عن طريق الإذاعة؟


ر: عن طريق الإذاعة حتى حصلت على مسجلة عام ١٩٧٠ وكان تعمل على الرول.


ف:  كيف هو نظام تمرينك؟


ر: كنت يومياً - لمدة خمسة أيام على الأقل في الأسبوع - أتمرن لمدة ساعة و تصل إلى ساعتين من الكمان وحدي في البيت. إذا تركت الكمنجة تتركك. هذا ما كنت أعمله لمدة أربعين عاماً. و بالأمس كنت أتمرن واليوم أتمرن.


ف: حدثنا عن تقليد العازفين مثل رضا القلعي و سامي الشوا و أحمد الحفناوي


ر: لقد قلدت هؤلاء العازفين الكبار و لم أكن مقلداً أعمى. لقد تأثرت برضا كما تأثر رضا بسامي الشوا؛ و لكن صنعت لنفسي شخصية و خرجت بعزف اسمه رياض عِبدِالله.
وليس لي وسيلة غير التقليد، و بالمناسبة، لم أقلّد أناساً رديئين، لقد قلّدتُ أساتذة في العزف والموسيقى.


و أذكر أن الاستاذ محمد التريكي قال لي مرة: أنت الآن لا تقلد أحداً. قلت له كيف؟ قال كل عازف يختلف عن الآخر، لابد أن يحدث ذلك مثلما يختلف الناس بالبصمات.


ف: نعم.


ر: الناس مثل الطيور. الطير الصغير مع الطير الكبير يتعلم منه و يتلقى. ثم يكبر الصغير و يصبح طيراً آخر ولو كان هناك شبه. لابد من اختلاف في الروحية.  الناس تتعلم من بعضها في النهاية وتلك سنة الحياة!


ف: فعلاً.


ر: و لو عكسنا الصورة. كيف يكون الحال لو أن هناك عازفٌ جيدٌ يتعلم من عازفٍ أسوأ منه. دعني أتحدث لك عن قصة. عندما كنت في فرقة الإذاعة، كنت  أعمل مع عازفين أكبر مني. كنت أقلد العازفين الذي كانوا يشتغلون معي. كنت أقلدهم بدرجة عالية، من باب المزاح. فيهم من كان يغضب، لأن عزفه لم يكن بشكل جيّد. كان يقول لي رضا القلعي أنه من أصعب الأمور أنك تقلّد النشاز.


ف: بمعنى أن العازف متمكن من عزف الصحيح والخاطئ!


ر: نعم. و الناحية الأخرى هو ما يتغدى العازف و يتربى عليه، ذلك يؤثر فيما يخرج معه من طعم و نكهة و لون و عمق.


ف: كيف يحافظ العازف على شخصية فريدة إذا كان قد قلّدَ الكبار و كيف يتميز؟


ر: لا أظن أن هناك حاجة لعمل شئ. إذا كان العزف تعبير عن الذات، فسيكون العازف مختلفاً عن الآخر ما دام هو يعبر عن ذاته بدلاً من التعبير عن ذات أخرى. الجمل الموسيقية و التعبير هو انعكاس عن فكر العازف و ذوقه و خبراته وحدوده. و إذا كان العازف متمكناً من أساليب عشرة عازفين عظام، مثلاً، فلا بد أن يخرجَ بـ "طبخة" و "نَفَسٍ" خاص به هو.


ف: دعنا نتكلم عن العازف، كيف يتناول قطعة جديدة لكي يعزفها بتمكن؟ كيف يحفظها و يقدمها على أكمل وجه؟


ر: مبدئيا، هناك موسيقى مرسلة و هناك موقعة. الآن هناك ترقيم (نوتة) و صولفيج. طريقة السمع و الحفظ هي أفضل طريقة. الترقيم لا يصلح إلا للمساعدة في فهم القطع و للفرق و مجموعات العزف الكبيرة والتسجيل و الإذاعة والتوزيع والإخراج و في التوثيق.


ف: نعم. صحيح.


ر: لكن العازفين في مطلع القرن مثل القصبجي و القضابي و سامي الشوا، تجد عندهم للقطعة مجموعة من التسجيلات المخلتفة، وكل نسخة مليئة بالمقدرة و الحس العالي والإضافة من الزخارف والحليات و الروحية. موسيقانا روحانية لأبعد الحدود.


تجد كل مناسبة سجلوا فيها، القطعة مختلفة في الزخارف و التعديل - الدوزان - و في الدرجة التي تعزف منها و حتى التردد. المزاج مختلف و عليه فالموسيقى تختلف. الموسيقى الشرقية هتروفونية و فيها ارتجالات و براعة آنية ولحظية فردية و جماعية في التخت. ذلك لا يخدمنا فيه الترقيم الموسيقي.
أنا مثلاً، أعزف على عدة تعديلات - دوزانات، منها: [من الغليظ إلى الحاد]
  • صول ري صول ري
  • صول ري صول دو
  • وأعزف بيني وبين نفسي أو مع الخواص على تعديل صول ري لا ري


ليس هناك تردد واحد مفضّل، هناك مزاج و ذوق و نكهة. الرست قد يناسبه  تردد منخفض و قد يناسب دوزان مرتفع في مكان آخر. ذلك يحكمه الجو على و إذا كان هناك تخت، دخل في ذلك من يعزف معك و الآلات الأخرى فيتحدد من يحافظ على تردد آلته و من يبدل.هذا يحكمه المزاج و الذوق و المقام و المساحات الصوتية التي نحتاجها و الإمكانيات التي نتوخى توفيرها فيه العزف و حسب الحاجة.


ف: و كيف نتعلم القطع و نحفظها و نؤديها على أكمل وجه؟


ر: كنا ذكرنا في السابق أن العزف إما يتبع طريقة الترقيم - النوتة الموسيقية - أو بالحفظ وسأفصل لك ذلك. الترقيم يصلح للمجموعات والفرق والتوزيع والعزف المحدد للتسجيل في الاستوديو والإخراج إلخ، كما قلنا. و لقد كنا نعمل بطريقة الترقيم في الإذاعة و نشتغل بها لتسريع عزف العمل الجماعي كما ذكرت و كنا نخرج كثيراً من التسجيلات في وقت قياسي. لكن ذلك لا يصل لمستوى العزف في التخت والعزف الشرقي والعزف الفردي - السولو - والارتجال.


ف: نعم. فعلاً.


ر: الحفظ موضوع آخر. المشائخ والمنشدون والمطربون والعازفون الكبار في الماضي، لم يعتمدوا على الترقيم الموسيقي لتعلم القطع و التمكن منها وعزفها.
لقد تعلمتُ المقامات التونسية من الشيخ علي البراق، وكان صديقاً لوالدي، و من عازفين و مطربين؛ و تعلمت المقامات الشرقية من الشيخ إبراهيم الفران، و الشيخ طه الفشني و كبار المطربين من الشيخ يوسف المينيلاوي و سامي الشوا و زكريا أحمد .. كل هؤلاء كانوا يتمرنون فيحفظون جملة جملة. حتى الفرق القديمة في تونس فضلاً عن المشايخ، كلهم يحفظون جملة جملة و تفصيلاً بعد تفصيل من التفاصيل.


استفدت كثيراً في الإذاعة من الاحتكاك مع الفنانين و استخدمنا الترقيم، يومياً، و كنا نعمل في خط إنتاج سريع، لكن، لم يكن هناك نكهة ولا طعم مثل التعلم من الحفظ، الذي كله ارتجال و روح و حليات ومفاجآت على أصول محكمة.


ف: نعم. واضح.


ر: الترقيم الموسيقي، لابد من تعلمه من قبل العازف و للفرق المتكاملة و التسجيلات الدقيقة و المخرَجة، لكن، في غير ذلك، ربما نستعين بالترقيم و النوتة في الحفظ أو في فهم القطع، غير أن الطريقة الأفضل هي الحفظ.


ف: نعم. ماذا نحفظ؟


ر: كل ما علينا هو أن نحفظ الأصل للجمل و التأليف ولكن الباقي يكون من العازف والتخت.  يجب أن نحترم المؤلفين، كيف ألّفوا قِطَعَهم و ذوقَهم ومزاجَهم ولا نعتدي على مؤلفاتِهم.هناك شئ من الذوق الذي لا يجب أن نتاجوزه. هناك أمانة في العزف.


ف: أحسنت. كيف تحفظ؟ هل تسمعها و تحفظها بدون آلتك ثم تعزف أم تسمع و تعزف مع التسجيل أو لنقل من عازف آخر، افتراضاً؟


ر: أستخدم الطريقتين يا فاضل. و ربما نستخدم طريقة تعديل الآلة والتردد و أعزف مع التسجيل جملة جملة بدقة و أضيف من عندي. وأنصح المبتدئين أن يستخدموا طريقة التطبئة ليتفهّموا ما يحدث ويمسكون بالتفاصيل، و الخبرة ستجعل العازف المتكن من الإضافة و التبديل في مساحة الحرية حسب الأصول الشرقية مثلما فعل سامي في بشرف رست عاصم أو غيره من المقطوعات الشرقية القديمة أو المؤلفة حديثاً في وقته.


ف: أها.


ر: حتى أنني كنت أعلم مجموعة من الأولاد بنفس الطريقة، و خرجت بنتيجة جيدة. لقد تخرجوا و أصبحوا في فرقة أنشأتها يعزفون بتمكن شرقي لا بأس به. كنت آخذ معي المسجلة و أعدل لهم الآلات و نشتغل جملة جملة مع التفاصيل و أعزف و يعزفون معي ويتابعون ورائي.


ف: رائع!


ر: و إذا كان صعباً على المبتدئ أن يتماشى مع المسجلة أو كان يفوته الإيقاع، فعليه أن يحفظ و يعيد. و لا يترك يوماً يقطع فيه التمرين والحفظ و الإعادة. و إذا كان الإنسان يقرأ النوتة الموسيقية، ما ضر لو استعان بها للحفظ و التمكن فيستعين و يحفظ و يعيد و يحسّن و يتمكن؟


ف: نعم. أشرت على المبتدئين بسماع الموسيقى بالبطيء. حدثني عن ذلك.


ر: نعم، طريقة التبطئة تجعل العازف يسمع التفاصيل و النغمات و الحليات والتقنيات جيداً، يفهما و يقلدها ويتقنها بكل دقة و يخترع إن أحب من بعد ذلك.


ف: الآن في الإنترنت و مع البرامج، أصبحت الخاصية متوفرة، كيف كنّا نتمكن من ذلك قبل الإنترنت؟
ر: هناك مسجلات فيها تقنية تبديل السرعة و تبديل التردد.


ف: عجيب!


ف: طيب، هناك إمكانية العزف مع التسجيل أو بدون التسجيل، هل نتعلم الهيكل العام أم القطعة بكل التفاصيل؟
ر: يا فاضل، هناك تقنيات و حليات و مهارات قوس يجب أن يعرفها العازف قبل كل شئ، يدرسها أو يتعلمها من أستاذ أو بأي طريقة، بحيث يكون حال السماع  والحفظ و العزف مع التسجيل لا يعطله شئ؛ يسمع و يعرف جيداً هذه الحليات والتقينات، وهي ليست جديدة عليه وتأتي تلقائيا حال الحفظ، و لو كانت مختلفة أو جديدة عليه، سيكون من السهل التعرف عليها وتعلمها وعزفها حينها دون الحاجة للاستعانة بأحد. هذه القواعد و الأسس يتعلمها قبل هذه المرحلة؛ بعد فترة، لن يحتاج أن يشرحها له أحد.


ف: فهتمك.


ر: و التقنية رغم تطورها الآن لم تأت بجديد ذي فارق، بمعنى أني  لو كنت جئت الآن فيه هذا الزمن، فلا أظن أنني سأتعلم ما لم أستطع تعلمه في ذلك الزمن. إذا كان الموسيقي والعازف مغرماً، باحثاً يحب التعرف و التحليل و يسأل و يستشير و يتعلم من خبرات من سبقه، سيتقدم، و إذا اشتدّ عودُهُ، فسيستطيع أن يخترع من عنده ويتميز.


ف: أحسنت. الآن، شيوع الموسيقى التجارية و النوتة و التعليم (التعليب) المستنسخ بلا دراية،  جعل العازفين الجدد لا يرتجلون و يخرجون بلا إحساس ولا نكهة ولا يفهمون موسيقانا ولا يحسنون تذوقها فضلاً عن عزفها ..


ر: يا فاضل، نحن لسنا ضد العلم والتقدم، لكن من المفترض أن نحسن فهم الأشياء و استخدامها الأمثل من خلال التجريب والخبرة. ما يعمل نأخذ به.


ف: أحسنت.


ر: و موسيقانا عندما تسمع تسجيلات العظماء، تستغرب من التفاعل و المزاج العالي و براعة عازفي الفرق والتخوت و العزف الفردي، بتفاهم عال و إبداع يخلق في اللحظة!


ف: و موسيقانا هيتروفونية، نعم.


ر: نعم يا فاضل، هذا من من أقوى ما في موسيقانا الشرقية، و لا يمكن التفريط فيه وإهماله.


ف:الآن سؤال: متى بدأت علاقتك بسامي الشوا؟


ر: سامي الشوا موجود في الساحة التونسية والعربية و رغم قلة الانتشار الإعلامي، فقط كان سامي أستاذاً مشهوراً جداً و عزف و نال الجوائز من الملوك و ترك تسجيلات كثيرة. لم يكن مرّ عليّ عزف سامي في بداياتي، لكني و ضعت اهتمامي بتسجيلاته عندما انتقلت إلى تونس. لم تكن تسجيلاته منتشرة في القيروان، مقارنة بتونس.


عندما سمعت عزفَه لأول مرة، شعرت كأن مسني ماسٌّ كهربائي! أعجبت به كثيراً. ولا أنكر فضلَ رضا القلعي عليّ الذي أراني جمال الحليات و المهارات والإمكانيات التي كانت في تسجيلات سامي الشوا. سامي رجلٌ عصاميّ بنى نفسه. لقد تفوّق على أبيه أنطوان الشوّا و على إبراهيم سهلون و صنع نفسه. سامي لا قبله ولا بعده!


ف: الله، سامي، كتب اسمه بماء الذهب. الآن قل لي يا أستاذ رياض، أنت جئت في زمن عبود عبدالعال و سعد محمد حسن و مرّ عليك أنور منسي و أحمد الحفناوي و سمعتَ الأتراك و الغربيين والهنود، كيف لم تركب الموجةَ و تخرج إلى ما يسمى بالجديد بلا رجعة؟ لماذا اخترت هذا النهج؟


ر: الحكم للزمان والظروف، ثم إني عندما احتفظت بأسلوبي، رموني بالتخلف و الرجعية. لا أنكر أني عزفتُ نوعاً من الموسيقى لا يروقني، لكنه لم يضرني.


و أنا أسمع كل الموسيقى العظيمة شرقية و غربية‘ و لكني لا أعزف كل ما أسمع. هناك موسيقى يختارها العازف لعزفها يختص بها. لم يكن عندي أي تردد. كان عندي مبدأ. أنا متحفظ و متشبث بأسلوب العزف الذي اخترته. هذا الذي يسمى جديداً، لا يقنعني، ليس فيه إحساس و لا مادة و لا جمال. ما يسمونه قديم، هو غني جداً و لا متناهٍ.


كنت في الماضي مولعاً بقطع موسيقية لعبدالوهاب و أغانٍ لأم كلثوم و ألحان السنباطي و زكريا أحمد. و عبدالوهاب و رضا القلعي أخذا مني وقتاً
طويلاً. و كنت مولعاً بالمقامات التونسية.


ف: حسناً، دعني أبدأ بالسؤال عن التمكن و الهوية الموسيقية. سامي عزف في الخليج و العراق و مصر و أماكن أخرى، وتفوق في العزف إن لم نقل أنه و صل إلى مستوى العازفين المحليين حينها على الأقل. كيف يمكن لعازف أن يتمكن من عزف موسيقى ذات هوية مختلفة و ربما يتفوق على العازفين من أهلها؟ و هو سؤال عن رياض أيضاً.


ر: ذكرتني بالمناسبة، بكلمة سمعتها عن عبدالوهاب، كان يقول أن التوانسة مختصين في التقليد و يستطيعون أن يعزفوا ما يريدون. أعزف أنا مثلا التونسي والمصري و الجزائري و التركي بالأسلوب القديم. هو غرام و رغبة في التعرف و البحث و التفكير و تجعل العازف يقلّد ربما ليس مائة بالمائة و لكنه يخرج بشيء مدهش.


ف: و هناك عازفون أجانب عاشوا بين ظهرانينا عقوداً من السنوات وأصبحوا لا يعزفون إلا الشرقي و بيتهم أصبح في الشرق، ولكن حين نسمع منهم التقاسيم أو القطع يبقى هناك شئ مفقود. كيف تفسر ذلك أستاذ؟


ر: آه، أظن أنه لم يمتلك جذور تلك الموسيقى التي يعزفها. لم يكتسب روحية تلك الموسيقى. أذكر أن هناك فرقة كورية و فرقة الجيش الأحمر من روسيا، طلب منهما صالح المهدي عزف قطعة على مقام الكوردي التونسي و قطعة لمطربة اسمها صليحة، خرجت الأولى بنكهة كورية، و خرجت الثانية بنكهة عسكرية روسية.


ف: و العازف عندما يعزف لغيره، وقت العزف (الأداء)، هل يحتاج أن يتقمص شخصية المعزوف له؟


ر: لا بد في الحقيقة أن يتقمص الشخصية أو الروحية، ولكن لا محالة سيظهر إحساسه الخاص و حدوده  إمكانياته وبصمته و سيكون مختلفاً شيئاً ما.


ف: و سؤال، ما دمنا نتكلم عن النكهات، ماذا عن حالات الإضافة من العازف مثلما فعل سامي الشوا في بشرف عاصم الراست؟ هل في ذلك عيب؟


ر:  يستحيل يا فاضل. ما قدمه سامي الشوا رغم أن البشرف تركي و يُسمعُ من أهله، قدم جديداً أدهش السميعة و العازفين.


ف: يعني، أن متفق مع فكرة عزف المقطوعات بطابع العازف أو بصبغة محلية؟


ر:  جوابك في سؤالك يا فاضل. البشرف هذا قدمه سامي على مستوى كبير من البراعة و كان بنكهة تركية شوائية مميزة.


ف: دعنا نتحدث عن موضوع مهم الآن؛ ما هو تعريف التقسيم الجيد عند رياض عبدالله؟


ر: تركيبة المقامات العربية أو الشرقية ليست عشوائية، أينما كانت في الأندلس أو بغداد أو تونس، الشرق عموماً. هناك تقاليد وعادات في المقامات و أصول تنبئ عن معرفة العازف أو المنشد أو المطرب بالمقام و تمكنه منه و قدرته على أن يملكنا حال الآداء؛ كان ذلك في التلاوة أو الإنشاد أو التقاسيم والليالي والموال والإرتجال عموماً.


ف: ما هي وسائل تعلم هذه التقاليد و الأصول و التمكن والتنفيذ؟


ر: السماع يا فاضل، والمناهج و الكتب أراها محدودة. لا بد من الاستماع و التطبيق و سيأتي الفهم و البراعة مع الوقت.


ف: هذه الأيام، هناك من يرتجل ما يسمونه تقاسيم من العازفين و هم لا يعون هذه التقاليد ولا أين يكون الإبداع و الجديد، و يملأون الدقائق و يشغلون السامع بما تعلموه في تمرينهم من تقنيات و حليات بلا معنى و لا غاية و لا حكاية ولا قصة تقال في ذلك من الارتجال الذي يقدمونه. كيف نميز عن هذا التقسيم الجيد؟


ر: والله يا فاضل، التقسيم الجيد هو إنشاء، نص، أو رسالة. كأنك تكتب نصاً. التقسيم يا فاضل، وهذه نصيحة لك و للشباب، لا يقع الإحسان فيه إلا بالتكرار والإعادة و كثرة المراس. التقسيم مثل موضوع الإنشاء: لا بد أن يكون هناك مقدمة - ديباجة و جوهر الموضوع و هناك خاتمة. عندما نسمع تلاوة أو موّالاً، ترى هناك تعبير فيه مقدمة و جوهر و تطور حتى نصل إلى النهاية. و بالنسبة للمقامات، هناك المقام و أبناء العمومة و ذوي صلات القربى. العملية ليست عشوائية. اسمع التسجيلات و تأمل كيفية العمل ..


ف: ذكرنا المناهج، نسأل عن المناهج يا أستاذ رياض. نعرف أن تونس مرّ بها سامي الشوا و فاضل الشوا و فيها المدرسة الرشيدية و معاهد موسيقى إلى آخره. كيف ننظر مخرجاتها؟
ر: هناك كثير من الأكاديميات و المدارس و المعاهد، لكن التجربة أثبتت أن الجيل القديم كان أكثر براعة و مهارة و خبرة و معرفة من خريجي المعاهد. هناك مشكلة في النهج الأكاديمي. النتائج مؤسفة، إلا من يعتمد على نفسه.


ف: هل هناك حاجة لتوظيف المناهج الغربية أو تمارين السلالم و هكذا؟


ر: كما تحدثنا يا فاضل، هناك تقنيات و مهارات يجب أن يتمكن منها العازف منذ البداية، قبل أن ينتقل إلى طريقة التمرين التي كنت شرحتها قبل قليل. و عندما يظهر جديد في قطعة جديدة، نتعلمها و نضيفها لمخزوننا و مهاراتنا.


ف: هل تخشى على الهوية الموسيقية استاذ رياض؟


ر: هذا الشئ ليس بيدي و بيدك يا فاضل. يبدو لي أن الهويات الموسيقية في حال التلاشي والضعف و أصبحت مكدسة في الأرشيف والإذاعات إلا ما ظهر في الإنترنت و و هي لا تظره لمن يبحث في الإنترنت مقارنة بالشائع من الهابط من الموسيقى. هناك شغل و جهد على مستوى الأفراد، ولكن ذلك مشروع دول. و هذا ليس مختصاً بالموسيقى وحسب ولكن في كل المجالات. للأسف أصبح المجال مشغولاً بالدخلاء.


ف: ماذا تقول عن تجديد الموسيقى؟


ر: كلمة تجديد لا تعني آلات كهربائية و الانفتاح على الموسيقى الخارجية و استيرادها  و دمجها. عندما نفعل ذلك، تضيع و تميع الهوية و تتلاشى. نحتاج إلى جذورنا و أصولنا و التجديد من الداخل حين نفهمه و نعيه و نطوّره ونخترع منه. هناك بحث وجهد و تجديد و ليس الموضوع "خبط لزق".

أترككم مع بعض الصور والتسجيلات..

تقاسيم بياتي مرسلة مع مصطفى سعيد في لبنان - من تسجيلات أحمد الصالحي



تقاسيم بياتي على الوحدة مع مصطفى سعيد في لبنان - من تسجيلات أحمد الصالحي



تقاسيم تونسية في لبنان - من تسجيلات أحمد الصالحي



تحميلة رست سوزناك



رشيد علوان و رياض عبدالله في عنابي لكارم محمود


في مؤتمر خمسينية سامي الشوا 


مع الاستاذة جينا الريحاني - إبنة الراحل الاستاذ نجيب الريحاني


من اليسار: الاستاذ رياض عبدالله  يليه الاستاذ كمال قصار فالأستاذ أحمد الصالحي فالأستاذ أنس غراب




ورشة عمل مع الاستاذ رياض عبدالله - تسجيلات الاستاذ كمال قصار



في المؤتمر - من تسجيلات الاستاذ كمال قصار



ترقبوا مزيدا من التسجيلات و الصور قريباً

ف: شكرا لك أستاذنا الفنان رياض عبدالله على هذا الزخم العالي من الموسيقى والفكر والخبرة. لقد أمتعتنا كثيرًا و أفدتنا و لسوف يجد العازف الخبير و الجديد الشرقي الكثير من الفائدة و النور و الإلهام. نحن على موعد مع تسجيلاتك و لقاءاتك ومؤلفاتك و جديدك الدائم. شكرًا جزيلاً.


::. فاضل التركي











تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضبط | دوزان | تسوية | تعديل آلة الكمان العربي .. في تحرير الآلة من حدود الشائع

محاورة مع فرقة مقام أكسفورد .. و تجربة التسجيل على الأسطوانة الشمعية!

مع الأستاذ مصطفى سعيد ... حديث الموسيقى .. في السيرة و الفكر و العمل ..