التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لعبة المعهود في الموسيقى


إلى الراحل أسعد الوصيبعي في ذكرى ميلاده



لعبة "المعهود" في الإنتاج الإنساني، ضرورية. أن تَعْهَدَ وتتحسسَ ما عهدته، وتستعد لأن تعهد شيئاً جديداً، وأن تتلقى ما كنت عهدت، سيحمل إليك لذة وثقة وأريحية وفائدة و فهماً. لعبة المعهود، تتوارى وتظهر في الكتابة وأحاديثنا، و في الفنون الجميلة و في العلوم في تناول و حل المشكلات و المسائل و في التقدم التقني و الاختراع و التواصل بشتى أنواعه و في صياغة الرأي العام و تصنيع القناعات و في الحياة عموماً.

ندخل في موضوع الموسيقى.

 في الموسيقى، لعبة المعهود أكثر متعة و تأتي صافية و مسبوكة لا يلوثها محمولٌ تحمله مهما شَرُف وارتقى.

نسمع الموسيقى فنعهدها. نسمع غيرها، فنحتاج وقتاً لنقتنع و نعهد. أذا عهدنا نوعاً من الموسيقى، نكون قد تشربناها و عشناها. أصبحت معهودة. 

إذن، كيف يكون المعهود، في حكاية في الموسيقى؟ كل نغمة مسماة عندنا، و عينا لها أم لم نعِ، هي نغمة معهودة. لدينا نغمات كثيرة مسماة و إلى جانب كل منها اسم آخر لنغمة أخرى، لدينا نغمات كالرست و الدوكاه والسيكاه، ولدينا نغمات بينها نشير إليها بأسماء. كل هذه النغمات و جيرتها نغمات معهودة.

المسافات بين نغمة وأخرى، معهودة. النّسَبُ بين النغمات معهودة.

العلاقة بين مجموعة من النغمات والمسافات، معهودة. السير والسفر في هذه المسافات، وبين النغمات معهود. المقامات معهودة.

النغمات تتمايل في نظام زمني. النظام الزمني، الفالت و المنتظم، معهود. الإيقاع الذي تنتظم فيه، معهود، ظاهراً كان أو خفياً.

إيقاع اللغة، يرسم روح النغم. إيقاع اللغة معهود. فصاحة اللغة معهودة. تجويد النغمة برنين اللغة و فصاحتها معهود.

صوت المغنى معهود. صوت المغني، معهود. المطرب معهود. البراعات معهودة.

الكلام معهود. الليل والعين معهودان. "الله.. و ياسلام" معهودان. الشعر معهود، والمغزى منه معهود و الموسيقى الذي تعلوه معهودة.

الآلات معهودة. العازفون معهودون.

التعبير والحس الرفيع معهود. الجماليات و الحليات معهودة. التقنيات معهودة.  

التخت معهود. الهنك معهود و التواصل بين الموسيقيين معهود.

السمع معهود. السميعة معهودون والموسيقيون معهودون لديهم. والتسجيل معهود.

الطرب معهود والإدهاش و الإندهاش معهود.

المغنى معهود. و الوصلة معهودة و الموال معهود و البشارف و التقاسيم و السماعيات و الموشحات و القصائد و الأدوار و الطقاطيق و كافة القطع معهودة.


الارتجال معهود و تجديده و غرابته معهودة. توقع الاندهاش معهود.



أساليب الأداء معهودة و تصبح معهودة. العزف معهود و البراعات معهودة والمعارف و المسميات معهودة و المستجدات معهودة و المجمتع الموسيقي معهود.

التمرين معهود والحفظ والتعلم و التمكن و التقدم و الألمعية معهودة و "الإنكسار" معهود والشهرة معهودة والزيف معهود و الوحدة معهودة و الشجاعة معهودة و الإصرار معهود والمواصلة معهودة.

دورة الجديد معهودة والجديد و المرتقب والشائع أصبح معهوداً و المحفوظ والمنقول والمسجل يصبح معهوداً. نتكلم و نتبادل و نفهم ما هو معهود و نعهد به.

نسمع و ما هو معهود يرفعنا  أو يخفضنا إلى اكتشاف معهود أرقى أو أخفض. الأخطاء معهودة والتجارب. نتعلم بالمعهود و هكذا يتخلق الذوق و تتكون المعرفة و الخبرة.

 نتوسع في المعهود فيما نستقي و نعطي ليكون معهوداً  بقدر ما نستطيع.

نعود و نخرج إلى العموم من موضوع الموسيقى. 

لعبة المعهود واقع و هكذا هي حركة الأشياء.

هكذا و جدت ضرورة في أن يكون كل هذا معهوداً.

::. فاضل التركي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضبط | دوزان | تسوية | تعديل آلة الكمان العربي .. في تحرير الآلة من حدود الشائع

إلى استاذي العزيز، أحمد الصالحي.
 الحديث عن دخول آلة الكمان الغربية، عالم الشرق، من الهند إلى فارس و تركيا والعالم العربي إلى حدود المغرب، قد تنسب إلى شخص أو قصة أو تربط بالربابة و الكمان من سلالتها، أو الربابة من حيث بدّل العازفون ربابتهم بالكمان الأكثر تطوراً و لو قيل أن عازفوها الأوائل كانوا يعزفونها كالربابة صوتاً و وضعاً. هذا حديث آخر. لنأخذ ظلاً من هذا.
آلة الكمان الغربية في الشرق، تشبه أهلها، لها صوتهم و أنغامهم و تأوّهاتهم و حلياتهم و زخارفهم، هي جزء منهم و ربما تصدرت آلاتهم التقليدية في قربها منهم و ظهر ذلك في تفضيلها و شيوعها. و لنأخذ ظلاً من هذا.
ما الأسباب جعلتها منسجمة كل هذا الإنسجام، قريبة إلى القلوب، تنافسُ حتى الآلات التقليدية السابقة عليها؛ التي نشأت في الشرق؟ أظن أن الأسباب تأتي من  مدى الإمكانيات و كثرة المتغيرات و مرونتها و إمكانية تبديل هذه المتغيرات مع بعضها البعض و جمعها و تفريقها و تبديل درجات ظهورها و ضمورها. مثال على تلك المتغيرات، في اليد اليمنى، و أعني اليد التي تمسك بالقوس. تقنيات القوس قد تصل إلى ٤٠٠ تقنية و منها العزف بكعب القوس و وسطه ورأسه و بكل الق…

محاورة مع فرقة مقام أكسفورد .. و تجربة التسجيل على الأسطوانة الشمعية!

هل تصدقون، أن طارق بشير و أحمد الصالحي و يارا صلاح الدين و مارتن ستوكس من فرقةمقام أوكسفورد، سجلوا غناء و عزفاً على أسطوانات شمعية؟ سجلوا على أجهزة فترة الـ ١٩٠٠م؛ كيف أمكنهم ذلك وما أهمية حكاية كهذه؟
في هذا الحوار، سنتكلم عن تجربة أصدقائنا الموسيقيين، و فائدة هذه التجربة للمجتمع الموسيقي و للمهتمين والسميعة لهذا العيار من الموسيقى و هذا النوع من وسائط  التسجيل وبالتحديد ما يسمى بالأسطوانة الشمعية  أو السيلندر أو أسطوانات أديسون نسبة لمخترعها أو ما يسمى بالكباية في مصر أو "أم قلاص" في الكويت.




ف: تجربة التسجيل على كباية فضلاً عن الأسطوانة القديمة شيء لا يمكن أن يخطر على بالنا اليوم. لقد تجاوزنا هذه التقنية بأكثر من مائة عام. لم يكن من السهل أن نتصور أن هذا أمر ممكن وفي متناول اليد. ما أصل هذه الحكاية؟
ط: بطبعي، كنت أستكشف في الإنترت و التسجيلات القديمة العربية والأجنبية، و رأيت رجلاً بجوار بوق و يتكلم، و عندما شاهدته و استمعت إليه، و كان ذا لهجة انجليزية، و تتبعت الأمر و رأيت أن هناك تجارب سابقة للتسجيل على الكباية و أمام البوق، فما كان مني إلا أن تواصلت معه و كلي حماس للتجربة.
ف…

التحميلة .. قالب موسيقي عربي مُغرقٌ في الأصالة ينضحُ بالابتكار

تحدثت قبل مدة عن قالب التحميلة و رسمت له جدولاً مبسطاً و ربطت أجزاء الجدول بمثال من تسجيل واحد، بحيث يتابع القارئ مع الجدول، فقرة التسجيل، و يحسن الاستماع و تذوق المقطوعة الموسيقية التي يطلق عليها أسم "تحميلة".
لكني هذه المرة، بودي أن اتطرق لها بشكل آخر. سنرى على المائدة مجموعة من الأشكال الضرورية لتبسيط فهمنا لقالب التحميلة و استيعابه، ومن ثم، تذوق التسجيلات المتوفرة و رؤية الأجزاء بكل وضوح و تثمين جهود العازفين و فهم المعاني التي نسمتع إليها منهم بشكل أفضل و معرفة النواقص والأخطاء التي رأيناها ترتكب في تقديم هذا القالب المدهش، وفي نفس الوقت، نبحث عن أرقى ما قدم من تسجيلات.
هذه هي الأشكال التي نتوقع أن نلقاها حين نستمتع إلى قالب التحميلة:

قالب التحميلة، من القوالب المدهشة التي يعزفها اليوم ثلة قليلة من الموسيقيين العرب و يفهمه ثلة أقل منهم. هذا القالب أكثر تعقيداً من قوالب مثل السماعي والموشح و الطقوقة، و يتطلب من العازف خبرة بالموسيقى الشرقية، معرفية و عملية، و تمكناً من آلته و من مهارات التطريب والإرتجال و الابتكار في نفس الوقت.
لا نريد أن نسمع المقطوعة الموسيقية، هكذا لماماً…